ينتقل السياق من الكلام عن الآخرة إلى آية كونية ، وهذه سِمَة من سمات أسلوب القرآن الكريم ، حيث يراوح بين الدعوة إلى الإيمان وبين بيان الآيات الكونية ، فبعد أن حدثنا عن الآخرة ذكر هذه الآية الكونية ، وكأنه يقول : لا عُذْر لمن يُكذِّب بآيات الله ؛ لأن الآيات موجودة مشاهدة .
لذلك قال : { أَلَمْ يَرَوْاْ } [ النمل : 86 ] أي : ألم يعلموا ويشاهدوا { أَنَّا جَعَلْنَا اليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ } [ النمل : 86 ] أي : للنوم وللراحة { والنهار مُبْصِراً } [ النمل : 86 ] أي : بما فيه من الأشعة والضوء الذي يُسبب الرؤيا .
وسبق أنْ بيَّنا دور العالم المسلم ابن الهيثم في تصحيح نظرية رؤية الأشياء ، وكانوا يعتقدون أن الشيء يُرى إذا خرج الشعاع من العين إليه ، والصحيح أن الشعاع يخرج من الشيء المرئي إلى العين ، فكأن الشعاع هو الذي يُبصر ، فهو سبب الرؤيا ، ولولاه لا نرى الأشياء .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ النمل : 86 ] فربك عزّ وجلّ نظَّم لك حركة حياتك بليل تسكن فيه ، وتخلد للراحة ونهار تسعى فيه وتبتغي من فضل الله كما قال تعالى : { وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ القصص : 73 ] .
ولن تستقيم لنا حركة الحياة إلا إذا سِرْنا على هذا النظام الذي ارتضاه الله لنا ، فإنْ قلبَ الناس هذه الطبيعة فسهروا حتى الفجر ، فلا بُدَّ أنْ يلاقوا عاقبة هذه المخالفة في حركة حياتهم : تكاسلاً وتراخياً وقِلة في الإنتاج . . إلخ .
والحق تبارك وتعالى يشرح لنا هذه القضية في موضع آخر :
تفسير الشعراوي — صفحة 10854
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٨٥٤