وحين تذهب إلى مدائن صالح تجد البيوت منحوتة في الجبال كما ينحتون الآن الأنفاق مثلاً ، لا يبنونها كما نبني بيوتنا ، ومعنى { فَارِهِينَ } [ الشعراء : 149 ] الفاره : النشط القوي ظاهر الموهبة ، يقولون : فلان فاره في كذا يعني ؛ ماهر فيه ، نشط في ممارسته .
المسرف : هو الذي يتجاوز الحدِّ ؛ وتجاوز الحدِّ له مراحل ؛ لأن الله تعالى أحلَّ أشياء ، وحرّم أشياء ، وجعل لكل منهما حدوداً مرسومة ، فالسَّرَف فيما شرع الله أن تتجاوز الحلال ، فتُدخل فيه الحرام .
أو : يأتي الإسراف في الكَسْب فيدخل في كَسْبه الحرام . وقد يُلزم الإنسان نفسه بالحلال في الكسب ، لكن يأتي الإسراف في الإنفاق فينفق فيما حرَّمه الله . إذن : يأتي الإسراف في صور ثلاثة : إما في الأصل ، وإما في الكسب ، وإما في الإنفاق .
ونلحظ أن الحق تبارك وتعالى حينما يكلمنا عن الحلال ، يقول سبحانه : { تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [ البقرة : 229 ] .
أما في المحرمات فيقول سبحانه : { تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا } [ البقرة : 187 ] أي : ابتعد عنها ؛ لأنك لا تأمن الوقوع فيها ، ومَنْ حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . فلم يقل الحق سبحانه مثلاً : لا تُصَلُّوا وأنتم سكارى . إنما قال : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى } [ النساء : 43 ] .
والمعنى : خُذِ الحلال كله ، لكن لا تتعداه إلى المحرَّم ، أما المحرَّم فاحذر مجرد الاقتراب منه ؛ لأن له دواعي ستجذبك إليه .
ونقف عند قوله تعالى : { وَلاَ تطيعوا أَمْرَ المسرفين } [ الشعراء : 151 ] حيث لم يقل : ولا تسرفوا ، وكأن ربنا عزّ وجلّ يريد
تفسير الشعراوي — صفحة 10651
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٦٥١