ولم يهتدوا إليها ، فلما خرج عمر وابنه عبد الله قال : يا أبي ، لقد وقع في ظني أنها النخلة ؛ لأنها مثل المؤمن كل ما فيه خير .
نعم لو تأملتَ النخلة لوجدتَ أن كل شيء فيها نافع ، وله مهمة ، وينتفع الزارع به ، ولا يُلْقَى منها شيء منهما كان بسيطاً . فالجذوع تُصنع منها السواري والأعمدة ، وتُسقف بها البيوت قبل ظهور الخرسانة ، ومن الجريد يصنعون الأقفاص ، والجزء المفلطح من الجريدة ويسمى ( القحف ) والذي لا يصلح للأقفاص كانوا يجعلونه على شكل معين ، فيصير ( مقشّة ) يكنسون بها المنازل .
ومن الليف يصنعون الحبال ، ويجعلونه في تنجيد الكراسي وغيرها ، حتى الأشواك التي تراها في جريد النخل خلقه الله لحكمة وبقدَرٍ ؛ لأنها تحمي النخلة من الفئران أثناء إثمارها ، والليف الذي يمنو بين أصول الجريد جعله الله حماية للنخلة ، وهي في طور النمو ، وما تزال غَضَّة طرية ، فلا يحمي بعضها على بعض .
إذن : هي شجرة خيِّرة كالمؤمن ، وقد تم أخيراً في أحد البحوث أن أخذوا الجزء الذي يسمى بالقحف ، وجعلوه في تربة مناسبة ، فأنبتوا منه نخلة جديدة .
لذلك « لما قال ابن عمر : إنها النخلة . ذهب عمر إلى رسول الله ، وحكى له مقالة ولده ، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : » صدق ولدك « فقال عمر : ( فوالله ما يسرني أن فَطِن ولدي إليها أن لي حمر النعم ) » .
تفسير الشعراوي — صفحة 10649
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٦٤٩