فإنْ قلت : فنحن نمرُّ بديارهم ، فلا نرى إلا خلاءً تسْفُو فيه الرياح ، نعم لقد كانت لهم جنات وعيون هي الآن تحت أطباق التراب { هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } [ مريم : 98 ] .
أي : أن تقوى الله وطاعته لا تعَدُّ شكراً على نعمه فحسب ، إنما أيضاً تكون لكم وقاية من عذاب الآخرة ، فلا تظنوا أنكم أخذتُم نِعَم الله ، ثم بإمكانكم الانفلات منه أو الهرب من لقائه ، فالقاؤه حق لا مفرَّ منه ، ولا مهرب ، فإنْ لم تَخَفْ السابق من النعم ، فخَفِ اللاحق من النِّقَم .
فماذا كان ردّهم على مقالة نبيِّهم وموعظته لهم ؟ { قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ }
وقولهم { أَوَعَظْتَ } [ الشعراء : 136 ] دليل على أن الحق لا بُدَّ أن يظهر ، ولو على ألسنة المكابرين ، ولا يكون الوعظ إلا لمَنْ علم حكماً ، ثم تركه ، فيأتي الواعظ ليُذكِّره به ، فهو إذن مرحلة ثانية بعد التعليم ، فهذا القول منهم اعتراف ودليل أنهم علموا المطلوب منهم ، ثم غفلوا عنه .
وهؤلاء يقولون لنبيهم { سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين } [ الشعراء : 136 ] يعني : أرح نفسك ، فسواء علينا وعظُك وعدم وعظِك ، ونلحظ أنهم قالوا : { أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين } [ الشعراء : 136 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 10639
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٦٣٩