ونقول له : أنت تنظر إلى المعنى في إجماله ، وليس لديك الملَكة العربية التي تستقبل بها كلام الله ، ولو كانت عندك هذه الملَكة لما اتهمتَ القرآن ، فكل آية مما تظنه تكراراً إنما هي تأسيس في مكانها لا تصلح إلا له .
والآيتان محل الكلام عن الشفاعة في سورة البقرة ، هما متفقتان في الصدر مختلفتان في العَجْز ، أحدهما :
{ واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً } [ البقرة : 48 ] .
والأخرى :
{ واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً } [ البقرة : 123 ] .
إذن : فصدْر الآيتين متفق ، أما عَجُز الأولى : { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } [ البقرة : 48 ] .
وعَجُز الأخرى : { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ } [ البقرة : 123 ] فهما مختلفتان .
وحين تتأمل صَدْرَيْ الآيتين الذي تظنه واحداً في الآيتين تجد أنه مختلف أيضاً ، نعم هو مُتحد في ظاهره ، لكن حين تتأمله تجد أن الضمير فيهما : إما يعود على الشافع ، وإما يعود على المشفوع له ، فإنْ عاد الضمير على المشفوع له نقول له : لا نأخذ منك عدلاً ، ولا تنفعك شفاعة ، وإنْ عاد الضمير على الشافع نقول له : لا نقبل منك شفاعة ونُقدِّم الشفاعة أولاً ولا نأخذ منك عدلاً .
إذن : ليس في الآيتين تكرار كما تظنون ، فكلٌّ منهما يحمل معنى لا تؤديه الآية الأخرى .
وقد أوضحنا هذه المسألة أيضاً في قوله تعالى : { وَلاَ تقتلوا
تفسير الشعراوي — صفحة 10613
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٦١٣