يقول : { أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين } [ الشعراء : 82 ] .
إنه أدب عَالٍ مع الله وهضم لعمله ؛ لأن الإنسان مهما قدَّم من الخير فهو دون ما يستحق الله تعالى من العبادة ؛ لذلك كان طلب المغفرة من الطمع .
ويجب أن ننظر هنا : متى دعا إبراهيم ربه ومتى تضرع إليه ؟ بعد أن ذكر حيثيات الألوهية ، واعترف لله بالنعم السابقة وأقرَّ بها ، فقد خلقه من عدم ، وأمدَّه من عُدْم ، وووفّر له كل مقومات الحياة .
وإقرار العبد بنعم الله عليه يقضي على كبرياء نفسه ، ويُصفِّي روحه وأجهزته ، فيصير أهلاً لمناجاة الله ، وأهلاً للدعاء ، فإن اعترفتَ لله بالنعم السابقة أجابك فيما تطلب من النعم اللاحقة ، على خلاف مَنْ لا يذكر لله نعمة ، ولا يقرّ له سبحانه بسابقة خير ، فكيف يقبل منه دعاء ؟ وبأيِّ وجه يطلب من الله المزيد ؟
إذن : لا تَدْعُ ربك إلا بعد صفاء نفس وإخلاص عبودية ؛ لذلك ورد في حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « مَنْ عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم » .
ويقول سبحانه : { إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً } [ الأنفال : 29 ] يقول لك ربك : أنت مأمون على ما علمتَ ، عامل به ، فخُذ المزيد من هدايتي ونوري وتوفيقي ، خُذ المزيد لما عندك من رصيد إيماني وصفاء روحي ، جعلك أهلاً للمناجاة والدعاء .
فإبراهيم عليه السلام وهو أبو الأنبياء لم يجترىء على الدعاء
تفسير الشعراوي — صفحة 10596
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٥٩٦