وبهذه الآية الكونية في خَلْق الإنسان نرد على الذين يحلو لهم أن يقولوا : إن الإنسان خُلِق صُدْفة ، فإذا كان الإنسان ذكراً وأنثى بينهما مواصفات مشتركة وأجهزة ومُقوِّمات واحدة ، إلا أن الذكَر يختلف في الجهاز التناسلي وكذلك الأنثى ، فهل يُردّ هذا إلى الصدفة ؟
ومعلوم أن الصُّدْفة من أعدائها الاتفاق ، فإذا جاء الذكّر صدفة ، وجاءت الأنثى كذلك صدفة ، فهل من الصدفة أن يلتقيا على طريقة خاصة ، فيثمر هذا اللقاء أيضاً ذكورة وأنوثة ؟ ! إذن : المسألة ليست مصادفةً ، إنما هي غاية مقصودة للخالق عَزَّ وَجَلَّ .
ثم يقول سبحانه في ختام الآية { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } [ الفرقان : 54 ] وذكر سبحانه القدرة هنا ؛ لأن هذه مسألة دقيقة لا تحدث إلا بقدرة الله تعالى .
وقد فَطِن العرب حتى قبل نزول القرآن إلى هذه العملية بالفطرة ، فهذه زوجة أبي حمزة تعاتبه ؛ لأنه تركها وتزوج من أخرى ، لأنها لم تَلِدْ له ذَكَراً ، فتقول :
مَا لأَبي حَمْزةَ لاَ يَأْتِينَا . . . غَضْبان أَلاَّ نَلِدَ البَنِينَا
تَاللهِ ما ذَلكَ في أَيْدينا . . . فَنَحْنُ كَالأرْضِ لِغَارِسينَا
نُعطِي لَهُمْ مِثْلَ الذي أُعْطِينَا . . . وهذه المسألة التي فَطِن إليها العربي القديم لم يعرفها العلم إلا في القرن العشرين .
وبعد هذه الآية الكونية يعود سبحانه وتعالى إلى خطابهم مرة أخرى لعل قلوبهم ترقّ ، فالحق تبارك وتعالى يتعهدهم مرة بالنُّصح ، ومرة بإظهار آياته تعالى في الكون .
تفسير الشعراوي — صفحة 10473
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٤٧٣