وكان سيدنا جعفر الصادق من المثوِّرين للقرآن المتأملين فيه ، وكان يُخرِج من آياته الدواء لكل داء ، ويكون كما نقول ( روشتة ) لكل أحوال المؤمن .
والمؤمن يتقلّب بين أحوال عدة منها : الخوف سواء الخوف أنْ يفوته نعيم الدنيا ، أو الخوف من جبار يهدده ، وقد يشعر بانقباض وضيق في الصدر لا يردي سببه وهذا هو الغَمُّ ، وقد يتعرض لمكر الماكرين ، وكَيْد الكائدين ، وتدبير أهل الشر .
هذه كلها أحوال تعتري الإنسان ، ويحتاج فيها لمَنْ يسانده ويُخرجه مما يعانيه ، فليس له حَوْل ولا قوة ، ولا يستطيع الاحتياط لكل هذه المسائل .
وقد تراوده بهجة الدنيا وزُخْرفها ، فينظر إلى أعلى مِمّا هو فيه ، ويطلب المزيد ، ولا نهايةَ لطموحات الإنسان في هذه المسألة ، كما قال الشاعر :
تَمُوتُ مع المرْءِ حَاجَاتُه . . . وتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِي
والناس تحرص دائماً على أن تستوعب نِعَم الحياة وراحتها ، وهم في ذلك مُخْطِئون ؛ لأن تمام الشيء بداية زواله ، كما قال الشاعر :
إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُه . . . تَرقَّبْ زَوَالاً إذَا قيلَ تَم
لأن الإنسان ابنُ أغيار ، ولا يدوم له حال من صحة أو مرض ، أو غِنيً أو فقر ، أو حزن أو سرور ، فالتغيُّر سِمَة البشر ، وسبحان مَنْ لا يتغير ، إذن : فماذا بعد أنْ تصل إلى القمةَ ، وأنت ابنُ أغيار ؟
ونرى الناس يغضبون ويتذمرون إنْ فاتهم شيء من راحة الدنيا ونعيمها ، أو انتقصتهم الحياة شيئاً ؟ وهم لا يدرون أن هذا النقص
تفسير الشعراوي — صفحة 9626
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٦٢٦