وقولهم : { مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } [ طه : 134 ] الذل : ما يعتري الحييِّ مما ينشأ عنه انكساره بعد أنْ كان متعالياً ، والذلّ يكون أولاً بالهزيمة ، وأذلّ من الهزيمة الأَسْر ، لأنه قد يُهزم ثم يفِرُّ ، وأذلُّ منهما القتل . إذن : الذل يكون في الدنيا أمام المشاهدين له والمعاصرين لانكساره بعد تعاليه .
أما الخزي : نخزى يعني : يُصيبنا الخزي ، وهو تخاذل النفس بعد ارتفاعها . ومن ذلك يقولون : أنت خزيت . يعني : كنت تنتظر شيئاً فوجدت خلافه .
ومنه قوله تعالى : { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } [ آل عمران : 194 ] فإنْ عُجِّل لهم الذلُّ في الدنيا ، فإن الخزي مُؤخَّر للآخرة حتى تكون فضيحتهم على رؤوس الأشهاد ، كما يقولون ( فضيحة بجلاجل ) حيث يشهد خِزْيَهم أهلُ الموقف جميعاً .
وكلمة « الخزي » هذه لها معنا موقف طريف أيام كنا صغاراً نحفظ القرآن على يد سيدنا فضيلة الشيخ حسن زغلول عليه رحمة الله وكان رجلاً مكفوفَ البصر ، وكنا ( نستلخمه ) فإذا وجدنا فرصة تفلّتنا منه وهربنا من تصحيح اللوح الذي نحفظه ، فالذي يحفظ بمفرده هكذا من المصحف يكون عرْضة للخطأ .
ومن ذلك ما حدث فعلاً من زميل لنا كان اسمه الشيخ محمد حسن عبد الباري ، وقد حضر مدير المدرسة فجأة ، وأراد أن يُسمِّع لنا ، وكان الشيخ عبد الباري لم يصحح لوحه الذي سيقرأ منه فقرأ : ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) فقرأها بالراء بدلاً من الزاي ، فضحك الشيخ طويلاً رَحِمَهُ اللَّهُ وقال : يا بني المعنى صحيح ، لكن الرواية ليست هكذا .
تفسير الشعراوي — صفحة 9464
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٤٦٤