وهذه هي خلاصة منهج الله في الأرض ، وما من رسول إلا وجاء بمثل هذا المنهج : أمر ، ونهي ، وتكليف ، وتحذير من الشيطان ووسوسته حتى يُخرِجنا عن أمر الله ونَهْيه .
وبعد هذا ( الكورس ) التدريبي في الجنة عَلِم آدم بالتطبيق العملي أن الشيطان عدوه ، وأنه سيُغريه ويخدعه ، ثم بعد هذه التجربة أنزله الله ليباشر مهمته في الأرض ، فيكون من عدوه على ذِكْر وحذر .
والبعض يقف طويلاً عند مسألة عصيان آدم : كيف يعصي الله وهو نبي ؟ ويذكرون قوله تعالى : { وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى } [ طه : 121 ] .
نقول : ما دام أن آدم عليه السلام هو خليفة الله في أرضه ، ومنه أَنْسَالُ الناس جميعاً إلى أنْ تقوم الساعة ، ومن نَسله الأنبياء وغير الأنبياء ، من نسله الرسل والمرسل إليهم . إذن : فهو بذاته يمثل الخَلْق الآتي كله بجميع أنواعه المعصومين وغير المعصومين .
كما أن آدم عليه السلام مرَّ بهذه التجربة قبل أن يُنبأ ، ومَرَّ بها بعد أن نُبىء ، بدليل قوله تعالى : { وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى } [ طه : 121122 ] .
فكان الاجتباء والعصمة بعد التجريب ، ثم لما أُهبِط آدم وعدوه إلى الأرض خاطبه ربه : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة : 38 ] .
وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياة آدم عليه السلام ، ومثَّل آدم الدَّوْريْن : دَوْر العصمة والنبوة بعدما اجتباه ربه ، ودَوْر البشر العادي غير المعصوم والمعرَّض للنسيان وللمخالفة كأيِّ إنسان من أناس الأرض .
تفسير الشعراوي — صفحة 9424
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٤٢٤