ومن عجائب قدرة الله أن هذه المادة الدُّهنية تتحول تلقائياً إلى أي مادة أخرى يحتاجها الجسم ، فإن احتاج الحديد تتحول كيماوياً إلى الحديد ، وإن احتاج الزرنيخ تتحول كيماوياً إلى زرنيخ ، وهي في الواقع مادة واحدة ، فمَنْ يقدر على هذه العملية غيره تعالى ؟
وبعد أنْ أعطاك ما يستبقي حياتك من الطعام والشراب والهواء أعطاك ما يستبقي نوعك بالزواج والتناسل .
وقوله تعالى : { السماوات العلى } [ طه : 4 ] العلا : جمع عُليا ، كما نقول في جمع كبرى : كُبَر { إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر } [ المدثر : 35 ] .
وهكذا تكتمل مُقوِّمات التكوين العالي لخليفة الله في الأرض ، فكما أعطاه ما يقيم حياته ونوعه بخَلْق السماوات والأرض ، أعطاه ما يُقيم معنوياته بنزول القرآن الذي يحرس حركاتنا من شراسة الشهوات ، فالذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأرض والسماوات العلا .
والصفة البارزة في هذا التكوين العالي للإنسان هي صِفَة الرحمانية ؛ لذلك قال بعدها : { الرحمن عَلَى العرش }
فالآية السابقة أعطتْنا مظهراً من مظاهر العطف والرحمة ، وهذه تعطينا مظهراً من مظاهر القَهْر والغَلَبة ، واستواء الرحمن تبارك وتعالى على العرش يُؤخَذ في إطار .
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] .
وسبق أن تكلمنا في الصفات المشتركة بين الحق سبحانه وبين
تفسير الشعراوي — صفحة 9217
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٢١٧