أما الراحة الأبدية في الآخرة فهي زمن لا نهايةَ له ، ونعيم خالد لا ينتهي ، ففي أيِّ شيء يطمع الإنسان بعد هذا كله ؟ وإلى أيِّ شيء يطمح ؟
لذلك قال تعالى بعدها : { قُل لَّوْ كَانَ البحر }
لأن قدرته تعالى لا حدود لها ، وما دامت قدرته لا حدود لها فالمقدورات أيضاً لا حدود لها ؛ لذلك لو كان البحر مداداً أي : حِبْراً يكتب به كلمات الله التي هي ( كُنْ ) التي تبرز المقدورات ما كان كافياً لكلمات الله { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } [ الكهف : 109 ] أي : بمثل البحر .
ونحن نقول مثلاً عن السلعة الجيدة : لا يستطيع المصنع أنْ يُخرِج أحسن من هذه ، أما صنعة الله فلا تقف عند حد ؛ لأن المصنع يعالج الأشياء ، أما الحق تبارك وتعالى فيصنعها بكلمة كُنْ ؛ لذلك نجد في أرقى فنادق الدنيا أقصى ما توصَّل إليه العلم في خدمة البشر أنْ تضغط على زِرِّ معين ، فيُخرِج لك ما تريد من طعام أو شراب .
وهذه الأشياء بلا شكَّ مُعدَّة ومُجهَّزة مُسْبقاً ، فقط يتم استدعاؤها بالضغط على زر خاص بكل نوع ، لكن هل يوجد نعيم في الدنيا يحضر لك ما تريد بمجرد أن يخطر على بالك ؟ إذن : فنعيم الدنيا له حدود ينتهي عندها .
لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
{ حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ يونس : 24 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 9010
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٠١٠