وقلنا : إن هذه الحدود وتلك الحواجز أفرزتْ أرضاً بلا رجال ، ورجالاً بلا أرض ، ولو تكاملتْ هذه الطاقات لا ستقامتْ الدنيا .
ومسألة الاعتزال هذه ، أو الهجرة من أرض الباطل ، أو من بيئة لا ينتصر فيها الحق وردتْ في نصوص عِدَّة بالنسبة لسيدنا إبراهيم عليه السلام منها قوله تعالى :
{ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وانصروا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يا نار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء : 6871 ] .
فترك إبراهيم الأرض التي استعصتْ على منهج الله إلى أرض أخرى ، وهاجر بدعوته إلى بيئة صالحة لها من أرض الشام .
نعود إلى اعتزال إبراهيم عليه السلام للقوم ، لا لطلب الرزق وسَعة العيش ، بل الاعتزال من أجل الله وفي سبيل مبدأ إيماني يدعو إليه : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ مريم : 48 ] وأول ما نلحظ أن في هذه النص عدولاً ، حيث كان الكلام عن العبادة : { يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ } [ مريم : 42 ] ، { يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان } [ مريم : 44 ] .
والقياس يقتضي أن يقول : وأعتزلكم وما تعبدون . . وأدعو ربي . أي : أعبده ، إلا أنه عدل عن العبادة هنا وقال : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ } [ مريم : 48 ] فلماذا ؟
قالوا : لأن الإنسان لا ينصرف عن ربه وعن وحدانيته تعالى إلا حين يستغني ، فإنْ ألجأتْهُ الأحداث واضطرته الظروف لا يجد ملجأ
تفسير الشعراوي — صفحة 9109
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩١٠٩