كل هذه الآيات تؤكد قول الحق سبحانه وتعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
( 190 )
( سورة آل عمران )
إنها ظواهر كونية . واختلاف الليل والنهار يعنى أن هناك شيئا يناقض شيئا آخر أو يأتي بعد شئ آخر . إذن فاختلاف الليل والنهار له معنيان : فمجىء الليل بعد النهار يعنى اختلافهما أي كل منهما خليفة للآخر . والزمن يمثل ذلك .
واختلاف آخر يتمثل في أن النهار منير ، والليل مظلم ، والنهار محل حركة ، والليل محل سكون . فاختلاف الليل والنهار ليس آية فقط ولكنه آيات لكثيرين .
وكأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا : أنّ الفرد أعجز من أن يستنبط كل ما في الآيات ، ولكن على كل واحد منكم أنتم البشر أن يستنبط آية ، وكل إنسان يستنبط آية ينتفع بها هو وغيره من الناس وهكذا .
إنها آيات يتوزع استنباطها على الخلق الذين يملكون البصيرة والأخذ بأسباب اللّه ليشيع الحق الاستنباط من أسرار اللّه لكل خلق اللّه المؤمنين إلى أن تقوم الساعة ، وليبين لنا أصحاب العقول الحقيقية التي لا تنشغل بالنعمة عن المنعم بالنعمة ؛ لأن للّه إمدادا حين خلق من عدم ، وإمدادا حين أمدّ من عدم ، وإمدادا آخر حينما يلقى على نعمته شيئا من البركة ، فالذي أخذ نعمة اللّه التي سبقت وجوده ، وبعد ذلك غفل عن الحق سبحانه وتعالى فإن النعمة تعطيه ، لكنها لا تكون مصحوبة بالبركة .
ومعنى البركة أن يكون الشئ الحاصل والمستنبط من حركتك لا يأتي منه لك ولا للناس إلا الخير . فقد يعطيك اللّه بالأسباب والمسببات . لكن اللّه لا يعطيك البركة إذا أخذت النعمة وتركت المنعم . فلو أنك عند كل شئ ذكرت اللّه لأخذت النعمة والبركة . فحين ترى لك شيئا تحبه عليك أن تقول :
« ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ » .