إذن فالحكم إنما جاء بافعل ولا تفعل لتحديد حركة الإنسان ، فقد يريد أن يفعل فعلا ضارا ؛ فيقول له : لا تفعل ، وقد يريد ألّا يفعل فعل خير يقول له : افعل .
إذن فكل حركات الإنسان محكومة ب « افعل ولا تفعل » ، وعقلك وسيلة من وسائل الإدراك ، مثل العين والأذن واللسان . إن مهمة العقل أن يدرك ، فتكليفه يدعوه إلى أن يفهم أمرا ولا يفهم أمرا آخر ، وجعل اللّه الآيات المحكمات ليريح العقل من مهمة البحث عن حكمة الأمر المحكم ؛ لأنها قد تعلو الإدراك البشرى . ويريد الحق أن يلزم العبد آداب الطاعة حتى في الشئ الذي لا تدرك حكمة تشريعه ، وأيضا لتحرك عقلك لترد كل المتشابه إلى المحكم من الآيات . وإذا قرأنا قول الحق :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
( 103 )
( سورة الأنعام )
نرى أن ذلك كلام عام . وفي آية أخرى يقول سبحانه :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 )
( سورة القيامة )
ويتكلم عن الكفار فيقول :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
( 15 )
( سورة المطففين )
إذن فالعقل ينشغل بقوله :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
، وهذا يحدث في الدنيا ، أما في الآخرة فسيكون الإنسان قد تم إعداده إعدادا آخر ليرى اللّه ، نحن الآن في هذه الدنيا بالطريقة التي أعدنا بها اللّه لنحيا في هذا العالم لا نستطيع أن نرى اللّه ، ومسألة إعداد شئ ليمارس مهمة ليس مؤهلا ولا مهيأ لها الآن ، أمر موجود في دنيانا ، فنحن نعرف أن إنسانا أعمى يتم إجراء جراحة له أو يتم صناعة نظارة طبية له فيرى . ومن لا يسمع أو ثقيل السمع نصنع له سماعة فيسمع بها .
فإذا كان البشر قد استطاعوا أن يعدّوا بمقدوراتهم في الكون المادي أشياء لتؤهلهم إلى استعادة حاسة ما ، فما بالنا بالخالق الأكرم الإله المربّى ، ألا يستطيع أن يعيد خلقنا في الآخرة بطريقة تتيح لنا أن نرى ذاته ووجهه ؟ ! إنه القادر على كل شئ .