في يمينك » . وضرب مثلا آخر فقال : لو حلفت بأن تركب دابة ، والكافر قد أسماه اللّه دابة فقال :
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا »
فهل يجوز ركوب الكافر ؟ .
لا يجوز فكان مقتضى الآية أنه يصح لك أن تركبه وعلق على ذلك قائلا : صحيح أن الدابة هي كل ما يدب على الأرض ، إلا أن العرف خصها بذوات الأربع .
لهذا كان للعرف مدخل في مسائل التحليل والتحريم . فإذا قال قائل : إن اللّه حرم الميتة ، والسمك والجراد ميتة فلماذا نأكلها ؟ . نرد عليه : إن العرف جرى على أن السمك والجراد ليسا لحما ، بدليل قولهم : « إذا كثر الجراد أرخص اللحم » ، وذلك يعنى أن الجراد ليس من اللحم .
أما بالنسبة للسمك ، فالسمك لم يكن كالميتة التي حرمها اللّه لأن الميتة المحرمة هي كل ما يذبح ويسيل دمه ، والسمك لا نفس سائلة له أي لا دم له . والجراد أيضا لا دم فيه ، إذن ، فتحليل أكله وهو ميت إنما جاء بسبب عدم وجود نفس سائلة يترتب عليها انتقال ما يضر من داخله إلى الإنسان ، وكذلك الكبد والطحال أيضا ليسا بدم ؛ فالدم له سيولة ، والكبد والطحال لحم متجمد متماسك ، خلاصة دم تكوّن منه عضو الكبد وعضو الطحال .
إذن ، السنة لها دور بيان في التحليل والتحريم ، وقوله الحق :
« إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ »
يعنى أنه سبحانه قد حرمها لأجل بقاء الدم في الميتة وعدم سيلانه ، ومن باب أولى ؛ كان تحريم الدم أمرا واجبا . وحرم الحق
« لَحْمَ الْخِنْزِيرِ »
وقلنا إن علة الإقبال على الحكم هو أمر اللّه به ، فإذا أثبت الزمن صدق القضية الإيمانية في التحليل ؛ فذلك موضوع يؤكد عملية الإيمان ، لكن لو انتظرنا وأجلنا تنفيذ حكم اللّه حتى نتأكد من علة التحريم ؛ لكنّا نؤمن بالعلماء والاكتشافات العلمية قبل أن نؤمن باللّه . لأننا إن انتظرنا حتى يقول العلماء كلمتهم ؛ فقد اعتبرنا العلماء آمن علينا من اللّه . وهل يوجد مخلوق آمن على مخلوق من الخالق ؟ .
إن ذلك مستحيل . إذن فالمؤمن من يأخذ كل حكم صادر من اللّه ، وهو متيقن أن اللّه لا يأمره إلا بشئ نافع له ، وفي الحقيقة فالشىء الضار غير ضار في ذاته ، فقد ينفع في أشياء أخرى . ونضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - فأنت ساعة تعاقب ابنك بأمر من الأمور ، فتحرمه من المصروف أو تحرمه من أكلة شهية ، فإن ذلك العقاب ليس ضارا في ذاته ، إنما إغراقك إياه بما يحب ويطلب ، مع سيره في