فهب أن واحدا لا يملك شيئا ، وواحدا آخر يملك ألفا ، والذي يملك ألفا هي ملكه ، وأدار بها عملا من الأعمال ، وحين يدير صاحب الألف عملا فالمطلوب له أجر عمله ليعيش من هذا الأجر . أما الذي لا يملك شيئا إذا ما أراد أن يعمل مثلما عمل صاحب الألف ، فذهب إلى إنسان وأخذ منه ألفا ليعمل عملا كعمل صاحب الألف ، فيشترط من يعطيه هذه الألف من الأموال أن يزيده مائة حين السداد ، فيكون المطلوب من الدى اقترض هذه الألف أجر عمله كصاحب الألف الأول ومطلوب منه أيضا أن يزيد على أجره تلك المائة المطلوبة لمن أقرضه بالربا .
فمن أين يأتي من اقترض ألفا بهذه المائة الزائدة ؟ إن سلعته لو كانت تساوى سلعة الآخر فإنه يخسر . وإن كانت سلعته أقل من سلعة الآخر فإنها تكسد وتبور .
إذن فلا بد له من الاحتيال النكد ، وهذا الاحتيال هو أن يخلع على سلعته وصفا شكليا يساوى به سلعة الآخر ، ويعمد إلى إنقاص الجواهر الفعالة في صنعة سلعته ، فيسحب منها ما يوازى المائة المطلوب سدادها للمرابى . فمن الذي سيدفع ذلك ؟
إنه المستهلك .
إذن فالمستهلك قد أضير بهذا التراضي ؛ فهو الذي سيغرم ؛ لأنه هو الذي يدفع أخيرا قيمة قرض الرجل المتاجر بالسلعة وقيمة النسبة الربوية التي حددها المرابى .
إذن فالعقد بين المقترض والمرابى - حتى في عرفهم - عقد باطل رغم أن الاثنين - المقترض والمرابى - قد اعتبرا هذا العقد تراضيا .
إذن فالحق سبحانه وتعالى أراد أن يشيع في الناس الرحمة والمودة . وأن يشيع في الناس التعاطف . إنه الحق - سبحانه - صاحب كل النعمة أراد أن يشيع في الناس أن يعرف كل صاحب نعمة في الدنيا أنه يجب عليه أن تكون نعمته متعدية إلى غيره ، فإن رآها المحروم علم أنه مستفيد منها ، فإذا كان مستفيدا منها فإنه لن ينظر إليها بحقد ، ولا أن ينظر إليها بحسد ، ولا يتمنى أن تزول لأن أمرها عائد إليه .
ولكن إذا كان السائد هو أن يريد صاحب النعمة في الدنيا أن يأخذ بالاستحواذ على كل عائد نعمته ، ولا يراعى حق اللّه في مهمة النعمة ، ولا تتعدى هذه النعمة
تفسير الشعراوي — صفحة 1192
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٢