تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 1134

مساهمون:

ص١١٣٤
نام بشعر أسود ، وقام بعد ذلك بشعر أشيب ، فلو حدثت أية تغيرات فيه لكان قد لمسها ، لكنه لم يجد تغيرا . فماذا كان جواب الحق ؟ قال الحق :
« بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ »
. إننا هنا أمام طرفين ويكاد الأمر أن يصبح لغزا ، طرف يقول :
« لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ »
ورب يقول :
« بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ »
. ونريد أن نحل هذا اللغز . إن الحق سبحانه صادق ومنزّه ، والعبد المؤمن صادق في حدود ما رأى من أحواله . ونريد دليلا على هذا ، ودليلا على ذاك . نريد دليلا على صدق العبد في قوله :
« لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ »
. ونريد من الحق سبحانه وتعالى دليل اطمئنان لا دليل برهان على أن الرجل قد مات مائة عام وعاد إلى الحياة . ونقول : إن في القصة ما يؤيد
« لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ »
، وما يؤيد
« بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ »
، فقد كان مع الرجل حماره ، وكان معه طعامه وشرابه من عصير وعنب وتين . فقال الحق سبحانه وتعالى :
« لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ »
، وأراد أن يدلل على الصدق في القضيتين معا قال :
« فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ »
، ونظر الرجل إلى طعامه وشرابه فوجد الطعام والشراب لم يتغيرا ، وهذا دليل على أنه لم يمكث إلا يوما أو بعض يوم ، وبذلك ثبت صدق الرجل ، بقيت قضية
« مِائَةَ عامٍ »
. فقال الحق :
« وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ »
وهذا القول يدل على أن هنا شيئا عجيبا ، وأراد اللّه أن يبين له بنظرة إلى الحمار دليلا على صدق مرور مائة عام ، ووجد الرجل حماره وقد تحول عظاما مبعثرة ، ولا يمكن أن يحدث ذلك في زمن قصير ، فإن موت الحمار أمر قد يحدث في يوم ، لكن أن يرمّ جسمه ، ثم ينتهى لحمه إلى رماد ، ثم تبقى العظام مبعثرة ، فتلك قضية تريد زمانا طويلا لا يتسع له إلا مائة عام ، فكأن النظر إلى الحمار هو دليل على صدق مرور مائة عام ، والنظر إلى الطعام دليل على صدق
« يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ »
. فالقضية إذن قضية عجيبة ، وكيف طوى الزمن في مسألة الطعام ، وكيف بسط