الناس . وإنما هو سبحانه الذي يحيى ويميت . وفي الحياة والموت استبقاء للنوع الإنسانى ، ولكن استبقاء حياة الأفراد إنما ينشأ بالقوت الذي ينشأ من التمول .
ويعالج الحق هذه المسألة بواقع سبق أن عاشه موسى عليه السّلام مع قومه وهم بنو إسرائيل ، ونعرف أن قصة موسى مع قومه قد أخذت أوسع قصص القرآن ؛ لأنها الأمة التي أتعبت الرسل ، وأتعبت الأنبياء ، وكان لا بد أن يعرض الحق هذا الأمر برمته على أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من واقع ما حدث ، فقال سبحانه :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ »
. ونعرف من هذا القول أن علة الخروج إنما كانت مخافة أن يموتوا . أما عن سبب هذا الموت فلم تتعرض له الآيات ، وإن تعرض المفسرون له وقالوا كلاما طويلا ، فمنهم من قال :
إنهم خرجوا هربا من وباء يحل بالبلد خشية أن يموتوا ، وبعضهم قال : إنهم خرجوا فرارا من عدو قد سلط عليهم ليستأصلهم ، المهم أنهم أرادوا أن يفروا خوفا من الموت .
إذن فالقرآن يعالج تلك المسألة من الزاوية التي تهم ، ولكن ما هو السبب ولماذا الخروج ؟ فذلك أمر لا يهم ؛ لأن القرآن لا يعطى تاريخا ، فلم يقل متى كانت الوقائع ولا زمنها ، ولا على يد من كان هذا ، ولا يحدد أشخاص القضية ، كل ذلك لا يهتم به القرآن . والذين يتعبون أنفسهم في البحث عن تفاصيل تلك الأمور في القصص القرآني إنما يحاولون أن يربطوا الأشياء بزمن مخصوص ، ومكان مخصوص ، وأشخاص مخصوصة .
ونقول لهم : إن القرآن لو أراد ذلك لفعل ، ولو كان ذلك له أصل في العبرة والعظة لبيّنه الحق لنا ، وأنتم تريدون إضعاف مدلول القصة بتلك التفاصيل ؛ لأن مدلول القصة إن تحدد زمنها ، فربما قيل : إن الزمان الذي حدثت فيه كان يحتمل أن تحدث تلك المسألة والزمن الآن لم يعد يحتملها ، وربما قيل : إن هذا المكان الذي وقعت فيه يحتمل حدوثها ، إنما الأمكنة الأخرى لا تحتمل . وكذلك لو حددها بشخصيات معينة لقيل : إنّ القصص لا يمكن أن تحدث إلا على يد هذه الشخصيات ؛ لأنها فلتات في الكون لا تتكرر .