تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
من حرارة الشمس المحرقة . . ورزقهم بالمن والسلوى . . ثم يذكرهم بأنهم طلبوا طعام الأرض فاستجاب لهم . في هذه الآية يقول الحق تبارك وتعالى :
« فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً »
. وفي آية أخرى يقول : « رغدا حيث شئتم » . الفرق في المعنى أن قوله تعالى :
« حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً »
تدل على أن هناك أصنافا كثيرة من الطعام . « ورغدا حيث شئتم » يكون هناك صنف واحد والناس جائعون فيقبلون على الطعام . . عندما يقول الحق جل جلاله : كلوا رغدا يكون المخاطب هنا نوعين : إنسان غير جائع ولذلك تعد له ألوانا متعددة من الطعام لتغريه على الأكل . . فتقدم في هذه الحالة
« حَيْثُ شِئْتُمْ »
فيقال :
« فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً
. . فإذا كان الانسان جوعان يرضى بأي طعام . . فيقال رغدا حيث شئتم . إن المسألة في القرآن الكريم ليست تقديما وتأخيرا في الألفاظ . . ولكن المعنى لا يستقيم بدون هذا التغيير . . قوله تعالى
« ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ »
. . والقرية هي هنا بيت المقدس أو فلسطين أو الأردن . . الحق تبارك وتعالى يقول :
« وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ »
. . والحق جل جلاله حين خاطبهم بين لنا أنهم لم يكونوا في حالة جوع شديد بحيث يأكلون أي شئ فقال :
« فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً »
أي ستجدون فيها ألوانا كثيرة من الطعام تغريكم على الأكل ولو لم تكونوا جائعين . وقوله تعالى :
« وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً »
. . أي ادخلوا الباب وأنتم في منتهى الخضوع . .
« وَقُولُوا حِطَّةٌ »
أي حط عنا ذنوبنا يا رب . . غير أنهم حتى في الأمر يغيرون مضمونه . . ويلبسون الحق بالباطل . . وهذه خاصية فيهم . . ولذلك دخلوا الباب وهم غير ساجدين . . دخلوه زاحفين على ظهورهم . . مع أن ما أمرهم اللّه به أقل مشقة مما فعلوه . . فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر اللّه شاقة . . ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق وبدلا من أن يقولوا حطة . أي حط عنا يا رب ذنوبنا قالوا حنطة والحنطة هي القمح . . ليطوعوا اللفظ لأغراضهم . . فكأن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة . ومع أن الحق تبارك وتعالى وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة للمحسنين . .