واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ النور : 2 ] والجواب ظاهر . وهو أن هذه الآية مخصصة لآية النور ، لأنه لا يتعارض عام وخاص .
قوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ 26 ] .
هذه الآية تدل بظاهرها على أن شرع من قبلنا شرع لنا . ونظيرها قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] .
وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك هي قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 48 ] الآية . ووجه الجمع بين ذلك مختلف فيه اختلافا مبينا على الاختلاف في حكم هذه المسألة .
فجمهور العلماء على أن شرع من قبلنا إن ثبت بشرعنا فهو شرع لنا ما لم يدل دليل من شرعنا على نسخه ، لأنه ما ذكر لنا في شرعنا إلا لأجل الاعتبار والعمل . وعلى هذا القول فوجه الجمع بين الآيتين من معنى قوله :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
.
إن شرائع الرسل ربما ينسخ في بعضها حكم كان في غيرها أو يزاد في بعضها حكم لم يكن في غيرها . فالشرعة إذن إما بزيادة أحكام لم تكن مشروعة قبل وإما بنسخ شيء كان مشروعا قبل ، فتكون الآية لا دليل فيها على أن ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا . ولم ينسخ أنه ليس من شرعنا لأن زيادة ما لم يكن قبل أو نسخ ما كان من قبل كلاهما ليس من محل النزاع .
وأما على قول الشافعي ومن وافقه : أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إلا بنص من شرعنا أنه مشروع لنا .
فوجه الجمع أن المراد بسنن من قبلنا وبالهدى في قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
[ الأنعام : 90 ] أصول الدين التي هي التوحيد لا الفروع العلمية بدليل قوله تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
الآية .
ولكن هذا الجمع الذي ذهبت إليه الشافعية يرد عليه ما رواه البخاري في صحيحه في تفسير سورة « ص » عن مجاهد أنه سأل ابن عباس من أين أخذت السجدة في « ص » فقال ابن عباس « ومن ذريته داود - أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده » فسجدها داود فسجدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، ومعلوم أن سجود التلاوة من الفروع لا من الأصول ، وقد
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4807 .