فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون . ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل ، وعن البيهقي أنه قال : هي غير ثابتة من جهة النقل .
وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة أن هذه القصة من وضع الزنادقة ، وأبطلها عياض وابن العربي المالكي والفخر الرازي وجماعات كثيرة .
ومن أصرح الأدلة القرآنية في بطلانها : أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ بعد ذلك في سورة النجم قوله تعالى :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
[ النجم : 23 ] فلو فرضنا أنه قال تلك الغرانيق العلى ، ثم أبطل ذلك بقوله
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها
فكيف يفرح المشركون بعد هذا الإبطال والذم التام لأصنامهم ، بأنها أسماء بلا مسميات ، وهذا هو الأخير .
وقراءته صلى اللّه عليه وسلم سورة النجم بمكة وسجود المشركين ثابت في صحيح ، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق ، وعلى القول ببطلانها فلا إشكال .
وأما على القول بثبوت القصة ، كما هو رأي الحافظ ابن حجر ، فإنه قال في فتح الباري : إن هذه القصة ثبتت بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح ، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها ، دل ذلك على أن لها أصلا .
فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة ، من أحسنها وأقربها . أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم كان يرتل السورة ترتيلا تتخلله سكتات فلما قرأ
وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
[ النجم : 20 ] قال الشيطان لعنه اللّه محاكيا لصوته صلى اللّه عليه وسلم : تلك الغرانيق العلى إلخ . . فظن المشركون أن الصوت صوته صلى اللّه عليه وسلم ، وهو بريء من ذلك براءة الشمس من اللمس .
وقد بينا هذه المسألة بيانا شافيا في رحلتنا ، فلذلك اختصرناها هنا فظهر أنه لا تعارض بين الآيات . والعلم عند اللّه تعالى .