كحديث « إن أبي وأباك في النار » « 1 » الثابت في صحيح مسلم وأمثاله من الأحاديث ، واعترض هذا الاعتراض بأن الأحاديث وإن صحت فهي أخبار آحاد ، يقدم عليها القاطع كقوله
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] .
واعترض هذا الاعتراض أيضا بأنه لا يتعارض عام وخاص ، فما أخرجه حديث صحيح خرج من العموم ، وما لم يخرجه نص صحيح بقي داخلا في العموم .
واعترض هذا الاعتراض أيضا بأن هذا التخصيص يبطل علة العام لأن اللّه تعالى تمدح بكمال الإنصاف وصرح بأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا . وبين أن ذلك الإنصاف التام علة لعدم التعذيب ، فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة ، ولثبتت لذلك المعذب الحجة التي بعث اللّه الرسل لقطعها . كما صرح به في قوله
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] .
وهذه الحجة بينها في سورة طه بقوله
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ
[ طه :
134 ] الآية .
وأشار لها في سورة القصص بقوله
وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ
[ القصص : 47 ] - إلى قوله -
وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ القصص : 47 ] .
وهذا الاعتراض الأخير يجري على الخلاف في النقض هل هو قادح في العلة أو تخصيص لها : وهو اختلاف كثير معروف في الأصول عقده في مراقي السعود بقوله في تعداد القوادح في الدليل :
منها وجود الوصف دون الحكم * سماه بالنقض رعاة العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح * بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص * إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا وقد رآه البعض * ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصه بظاهر * وليس فيما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع * والوفق في مثل العرايا قد وقع
والمحققون من أهل الأصول على أن عدم تأثير العلة ، إن كان لوجود مانع من
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .