خلاف الظاهر من الآيات ، وبأن الآيات المتقدمة الدالة على اعتراف أهل النار جميعا ، بأن الرسل أنذروهم في دار الدنيا صريح في نفيه .
الثاني : أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ
الآية . وأمثالها في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل .
أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد ، لأن جميع الكفار يقرون بأن اللّه هو ربهم وهو خالقهم ورازقهم ، ويتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر ، لكنهم غالطوا أنفسهم ، فزعموا أنها تقربهم إلى اللّه زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند اللّه ، مع أن العقل يقطع بنفي ذلك .
الثالث : أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبله صلى اللّه عليه وسلم تقوم عليهم بها الحجة ، ومال إليه بعض الميل ابن قاسم في الآيات البينات .
وقد قدمنا في سورة آل عمران أن هذا القول يرده القرآن في آيات كثيرة مصرحة بنفي أصل النذير عنهم ، كقوله
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ
[ يس : 6 ] .
وقوله
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ
[ السجدة : 3 ] .
وقوله
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ
[ القصص : 46 ] .
وقوله
وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ
( 44 ) [ سبأ : 44 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وأجاب القائلون : بأن أهل الفترة معذورون عن مثل قوله
ما كانَ لِلنَّبِيِّ
[ التوبة : 113 ] - إلى قوله -
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
( 113 ) [ التوبة :
113 ] .
من الآيات المتقدمة بأنهم لا يتبين لهم أنهم من أصحاب الجحيم ولا يحكم لهم بالنار ولو ماتوا كفار إلا بعد إنذارهم وامتناعهم من الإيمان ، كأبي طالب . وحملوا الآيات المذكورة على هذا المعنى .
واعترض هذا الجواب بما ثبت في الصحيح من دخول بعض أهل الفترة النار ،