من الموت إلى الحياة السعيدة الرغيدة . قال تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
[ الشورى : 52 ] .
وما كادت العرب تسمع كلام اللّه ، وما كاد هذا القرآن يلامس آذانهم ويقرع أسماعهم حتى أخذ لبّهم ، وأثّر فيهم تأثيرا عجيبا ، وملك عليهم قلوبهم ، حتى الأعداء من المشركين أدركوا أنه ليس بكلام بشر ، ولا يشبه كلام شيء يعرفونه ، فوصفوه بالسحر ، وهذا دليل على أن هذا القرآن أخذ عقولهم ، وبهرها .
أما المسلمون ، الذين أضاء اللّه قلوبهم بالإيمان ، وشرح اللّه صدورهم بالإسلام ، اقبلوا على كتاب ربهم ، وكلام خالقهم ، دراسة وتمحيصا ، وحفظا ، وعملا . . .
سعد المسلمون بهذا الكتاب الكريم ، الذي جعل اللّه فيه الهدى والنور ، والشفاء لما في الصدور ، وأيقنوا أنه لا شرف إلّا والقرآن سبيل إليه ، ولا خير إلّا وفي آياته دليل عليه ، فراحوا يثورون القرآن ليقفوا على ما فيه من مواعظ وعبر ، وأخذوا يتدبرون آياته ليأخذوا من مضامينها ما فيه سعادة الدنيا وخير الآخرة « 1 » .
ولذلك تناول المسلمون القرآن بالدراسة والبحث ، فأفادت منه العلوم بمختلف أنواعها وأصنافها .
وألّفت في علومه كتب ومؤلفات عديدة ، في التفسير والقراءات والرسم القرآني ، واستنباط الأحكام ، والإعجاز ، والناسخ والمنسوخ ، وأسباب النزول ، والغريب ، والمبهمات ، والفضائل ، والقصص ، وغير ذلك .
وبتعدد المؤلفات وازدهارها في كل نوع من أنواع علوم القرآن احتاج المسلمون إلى جمع شتات هذه العلوم ، فاعتصروا منها علما جديدا يكون جامعا لها ، وهو ما يطلق عليه « علوم القرآن » بالمعنى الاصطلاحي .
فعلوم القرآن - كفن مدوّن - مباحث تتعلّق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وترتيبه وجمعه وكتابته وقراءته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه .
وأنّ من أفضل وأجمع ما كتب في علوم القرآن هو كتاب « الاتقان في علوم القرآن » للإمام جلال الدين السيوطي ، فقد أبدع فيه ، وملأه من درر هذه العلوم أفضلها وأغلاها ، فكان درة مضيئة في هذا الباب .
فلذلك أحببت أن أقوم بتحقيقه ، لإخراجه بثوب يليق به من التحقيق ، وتدقيق النص ، وطباعته طباعة لائقة به ، نظرا لعدم وجود أي طبعه من هذا الكتاب - وللأسف الشديد - محققة
هامش
( 1 ) من مقدمة « التفسير والمفسرون » للذهبي باختصار .