فإذا أحكم القارئ النّطق بكلّ حرف على حدته موفّى حقّه ، فليعمل نفسه بإحكامه حالة التركيب ، لأنه ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد ، بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب ، وقويّ وضعيف ، ومفخّم ، ومرقّق ، فيجذب القويّ الضعيف ، ويغلب المفخّم المرقّق ، ويصعب على اللسان النطق بذلك على حقّه إلّا بالرياضة الشديدة ، فمن أحكم صحّة التلفّظ حالة التركيب ، حصل حقيقة التجويد .
ومن قصيدة الشيخ علم الدين في التجويد ، ومن خطه نقلت « 1 » :
لا تحسب التّجويد مدّا مفرطا * أو مدّ ما لا مدّ فيه لوان
أو أن تشدّد بعد مدّ همزة * أو أن تلوك الحرف كالسّكران
أو أن تفوه بهمزة متهوّعا * فيفرّ سامعها من الغثيان
للحرف ميزان فلا تك طاغيا * فيه ولا تك مخسر الميزان
فإذا همزت فجىء به متلطّفا * من غير ما بهر وغير توان
وامدد حروف المدّ عند مسكّن * أو همزة حسنا أخا إحسان
فائدة : قال في « جمال القراء » « 2 » : قد ابتدع النّاس في قراءة القرآن أصوات الغناء ، ويقال : إن أوّل ما غنّي به من القرآن قوله تعالى :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
[ الكهف : 79 ] . نقلوا ذلك من تغنّيهم بقول الشاعر « 3 » .
أمّا القطاة فإني سوف أنعتها * نعتا يوافق عندي بعض ما فيها
وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم في هؤلاء : « مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم » « 4 » .
وممّا ابتدعوه شيء سمّوه : الترعيد ، وهو : أن يرعد صوته كالذي يرعد من برد أو ألم .
وآخر سموه : الترقيص ؛ وهو : أن يروم السّكوت على الساكن ، ثم ينفر مع الحركة كأنه في عدو أو هرولة .
وآخر يسمّى : التطريب ، وهو : أن يترنّم بالقرآن ويتنغّم به ، فيمدّ في غير مواضع المدّ ، ويزيد في المدّ على ما لا ينبغي .
وآخر يسمى : التّحزين ؛ وهو أن يأتي على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع .
هامش
( 1 ) وهذه القصيدة مطبوعة كما أشرت سابقا انظر ص 51 .
والواني : اسم فاعل من ونى يني ونيا ، ومعناه الضعيف .
والتهوع : التقيؤ .
والبهر : تتابع النفس ، والتواني : التقصير .
( 2 ) انظر التمهيد في علم التجويد ص 55 - 57 فقد نقل كلام السخاوي كلّه .
( 3 ) وانظر المعارف لابن قتيبة ص 232 ، والتمهيد ص 55 .
( 4 ) سبق تخريجه ، وأوله : « اقرءوا القرآن بلحون العرب . . الحديث » .