حالهم فيها لما بعدهم من كونهم لا يذوقون فيها ، أي في النار أحقابا من الزمن ، لا يذوقون بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا .
أما بقية الأحقاب فيقال لهم : فلن نزيد إلا عذابا ، وهذه المسألة قد بحثها الشيخ رحمه اللّه تعالى علينا وعليه في كتاب دفع إيهام الاضطراب ، عند الكلام على هذه الآية ، وفي سورة الأنعام على قوله تعالى :
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
[ الأنعام : 128 ] الآية ، وهو بحث مطول ، وسيطبع الكتاب بإذن اللّه تعالى مع هذه التتمة .
وذكر القرطبي « 1 » في معنى الحقب : آثارا عديدة منها : عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، قال : قال النّبي صلى اللّه عليه وسلم : « واللّه لا يخرج من النار من دخلها حتى يكون فيها أحقابا » الحقب : بضع وثمانون سنة ، والسنة ثلاثمائة وستون يوما ، كل يوم ألف سنة مما تعدون . فلا يتّكلنّ أحدكم على أنه يخرج من النار » . ذكره الثعلبي .
وقد رجح القرطبي دوامهم ، أي الكفار في النار أبد الآبدين . ا ه .
قوله تعالى :
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ( 29 )
[ 29 ] .
قيل المراد بالشيء هنا : أعمال العباد ، أي أنه بعد قوله :
جَزاءً وِفاقاً
( 26 ) [ النبأ : 26 ] أي وفق أعمالهم بدون زيادة ولا نقص ، قال : وقد أحصينا أعمالهم وكتبناها ، وهذا كقوله تعالى :
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ الكهف : 49 ] . وقوله :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
[ ق : 18 ] ، وقوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
( 8 ) [ الزلزلة : 7 - 8 ] ، وقوله :
أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ
[ 6 ] .
واللفظ عام في كل شيء ، ويشهد له قوله تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
( 49 ) [ القمر : 49 ] وبقدر فيه معنى الإحصاء ، وفي السنة : حديث القلم المشهور ، وكقوله :
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
[ يس : 12 ] وتقدم في سورة الجن قوله تعالى :
وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
[ الجن : 28 ] .
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 19 / 179
.