خطره على أبويك من قبل ، إذ هما في الجنة دار السلام ولم يسلما منه ، ودلّاهما بغرور فحاذر منه ولذ بي كلما ألمّ بك أو مسّك طائف منه ، وكن كسلفك الصالح إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون .
وقد علمت عداوته لك من بعد ، وعداوته ناشئة عن الحسد .
ولكأن ارتباط السورتين ليشير إلى منشأ تلك العداوة وارتباطها بها التحذير ، إذ في الأولى : ومن شر حاسد إذا حسد ، فحسد الشيطان آدم على إكرام اللّه إياه كما أسلفنا .
والعدو الحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة عن المحسود ، ولئن كانت توبة آدم هي سبيل نجاته ، كما في قوله تعالى :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ
[ البقرة :
37 ] .
فنجاتك أيضا في كلمات تستعيذ بها من عدوك : برب الناس ملك الناس إله الناس ، لأن الرب هو الذي يرحم عباده ، وملك الناس هو الذي يحميهم ويحفظهم ويحرسهم . وإله الناس الذي يتألهون إليه ويتضرعون ويلوذون به سبحانه .
تنبيه
إذا كان هذا كله خطر الوسواس الخناس من الجنة والناس ، وهما عدو مشترك ومتربص حاقد حاسد ، فما طريق النجاة منه ؟
الذي يظهر ، واللّه تعالى أعلم : أن طريق النجاة تعتمد على أمرين :
الأول : يؤخذ من عمومات الكتاب والسنة .
والثاني : سمعته من الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه .
أما الأول فهو : إذا كانت مهمة الوسوسة التشكيك والذبذبة والتردد ، فإن عمومات التكليف تلزم المسلم بالعزم واليقين والمضي دون تردد كما في قوله :
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
[ آل عمران : 159 ] ، وامتدح بعض الرسل بالعزم وأمر بالاقتداء بهم
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
[ الأحقاف : 35 ] .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يربيك إلى ما لا يربيك » « 1 » .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول .