والخطاب قيل للرسول صلى اللّه عليه وسلم . وأن ما في قوله : فما هي بمعنى من أي ، فمن الذي يكذبك بعد هذا البيان ، بمجيء الجزاء والحساب ليلقى كل جزاء عمله .
قوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ( 8 )
[ 8 ] .
السؤال كما تقدم في
أَ لَمْ نَشْرَحْ
[ الشرح : 1 ] ، أي للإثبات ، وهو سبحانه وتعالى بلا شك أحكم الحاكمين ، كما ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال : « اللهم بلى » « 1 » كما سيأتي .
وأحكم الحاكمين ، قيل : أفعل تفضيل من الحكم أي أعدل الحاكمين ، كما في قوله تعالى :
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
( 49 ) [ الكهف : 49 ] .
وقيل : من الحكمة ، أي في الصنع والإتقان والخلق ، فيكون اللفظ مشتركا ، ولا يبعد أن يكون من المعنيين معا ، وإن كان هو في الحكم أظهر ، لأن الحكيم من الحكمة يجمع على الحكماء .
فعلى القول بالأمرين : يكون من استعمال المشترك في معنييه معا ، وهو هنا لا تعارض بل هما متلازمان ، لأن الحكيم لا بد أن يعدل ، والعادل لا بد أن يكون حكيما يضع الأمور في مواضعها .
وقد بين تعالى هذا المعنى في عدة مواطن كقوله تعالى :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
[ ص : 28 ] ، الجواب : لا ، وكقوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
[ الجاثية : 21 ] ، وفي قوله
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
بيان لعدم عدالتهم في الحكم ، وبعده عن الحكمة .
ومعلوم أن عدم التسوية بينهم في مماتهم أنه بالبعث والجزاء ، فهو سبحانه أحكم الحاكمين في صنعه وخلقه . خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وأعدل الحكام في حكمه لم يسوّ بين المحسن والمسئ .
وقد اتفق المفسرون على رواية الترمذي لحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في التفسير حديث 3347 .