قال : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير « 1 » وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي « 2 » وابن عساكر عن ابن عباس قال : « كان لباس آدم وحواء كالظفر - وذكر الأثر - وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة » قال : ينزعان ورق التين ، فيجعلانه على سوأتهما .
وبهذا النقل يكون ذكر التين هنا مع خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رده أسفل سافلين إلّا الذين آمنوا سر لطيف جدا ، وهو إشعار الإنسان الآن ، أن جنس الإنسان كله بالإنسان الأول أبي البشر ، وقد خلقه اللّه في أحسن حالة حسا ومعنى ، حتى رفعه إلى منزلة إسجاد الملائكة له وسكناه الجنة ، فهي أعلى منزلة التكريم ، وله فيها أنه لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ فيها ولا يضحى ، وظل كذلك على ذلك إلى أن أغواه الشيطان ونسي عهد ربه إليه ، ووقع فيما وقع فيه وكان له ما كان ، فدلاهما بغرور وانتقلا من أعلى عليين إلى أسفل سافلين ، فنزل إلى الأرض يحرث ويزرع ويحصد ويطحن ويعجن ويخبز ، حتى يجد لقمة العيش ، فهذا خلق الإنسان في أحسن تقويم ورده أسفل سافلين .
وهذا شأن أهل الأرض جميعا ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فلهم أجر غير ممنون ، برجوعهم إلى الجنة كما رجع إليها آدم بالتوبة ، فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، ثم اجتباه ربه ، فتاب عليه وهدى .
وإن في ذكر البلد الأمين لترشيح لهذا المعنى ، لأن اللّه جعل الحرم لأهل مكة أمنا كصورة الآمن في الجنة ، فإن امتثلوا وأطاعوا تعموا بهذا الأمن ، وإن تمردوا وعصوا ، فيخرجون منها ويحرمون أمنها .
وهكذا تكون السورة ربطا بين الماضي والحاضر ، وانطلاقا من الحاضر إلى المستقبل ، فما يكذبك بعد بالدين أليس اللّه بأحكم الحاكمين . فيما فعل بآدم وفيما يفعل بأولئك ، حيث أنعم عليهم بالأمن والعيش الرغد ، وإرسالك إليهم وفيما يفعل لمن آمن أو بمن يكفر ، اللّهم بلى .
قوله تعالى :
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( 7 )
[ 7 ] .
فالدين هو الجزاء كما في سورة الفاتحة
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ]
هامش
( 1 ) جامع البيان 8 / 106 .
( 2 ) السنن الكبرى ، كتاب الصلاة 2 / 244 .