قوله تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 )
[ 9 - 11 ] .
مجيء الفاء هنا مشعر ، إما بتفريع وهذا ضعيف ، وإما بإفصاح عن تعدد ، وقد ذكر الجمل بتقدير ، مهما يكن من شيء .
وقد ساق تعالى هنا ثلاث مسائل : الأولى معاملة الأيتام فقال :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ،
أي كما آواك اللّه فآوه ، وكما أكرمك فأكرمه .
وقالوا : قهر اليتيم أخذ ماله وظلمه .
وقيل : قرىء بالكاف « تكهر » ، فقالوا : هو بمعنى القهر إلّا أنه أشد .
وقيل : هو بمعنى عبوسة الوجه ، والمعنى أعلم ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « اللّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ، ومن الجبن والبخل ، ومن غلبة الدّين وقهر الرجال » « 1 » ، فالقهر أعم من ذلك .
وبالنظر في نصوص القرآن العديدة في شأن اليتيم ، والتي زادت على العشرين موضعا ، فإنه يمكن تصنيفها إلى خمسة أبواب كلها تدور حول دفع المضار عنه ، وجلب المصالح له في ماله وفي نفسه ، فهذه أربعة ، وفي الحالة الزوجية ، وهي الخامسة . أما دفع المضار عنه في ماله ، ففي قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ الأنعام : 152 ] ، جاءت مرتين في سورة الأنعام والأخرى في سورة الإسراء ، وفي كل من السورتين ضمن الوصايا العشر المعروفة في سورة الأنعام ، بدأت بقوله تعالى :
* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
[ الأنعام : 151 ] .
وذكر قتل الولد وقربان الفواحش وقتل النفس ثم مال اليتيم . ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن .
ويلاحظ أن النهي منصب على مجرد الاقتراب من ماله إلّا بالتي هي أحسن ، وقد بين تعالى التي هي أحسن بقوله :
وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
[ النساء : 6 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك ، البخاري في الجهاد حديث 2893 .