لا غضاضة عليهم فيه ، بل وقد يستمرؤون الحرام ويستطعمونه .
كما ذكر لي شخص : أن لصّا قد كفّ عن السرقة حياء من الناس ، وبعد أن كثر ماله وكبر سنه أعطى رجلا دراهم ليسرق له من زرع جاره ، فذهب الرجل ودار من جهة أخرى وأتاه بثمرة من زرعه هو ، أي زرع اللص نفسه ، فلما أكلها تفلها ، وقال : ليس فيه طعمة المسروق ، فمن أين أتيت به ؟ قال : أتيت به من زرعك ، ألا تستحي من نفسك ، تسرق وعندك ما يغنيك . فخجل وكف .
وقد جاء عن عمر نقيض ذلك تماما ، وهو أنه لما طلب من غلامه أن يسقيه مما في شكوته من لبنه ، فلما طعمه استنكر طعمه ، فقال للغلام : من أين هذا ؟ فقال :
مررت على إبل الصدقة فحلبوا لي منها ، وها هو ذا ، فوضع عمر إصبعه في فيه ، واستقاء ما شرب « 1 » .
إنها حساسية الحرام استنكرها عمر ، وأحس بالحرام فاستقاءه ، وهذا وذاك بتيسير من اللّه تعالى ، وصدق صلى اللّه عليه وسلم « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » « 2 » .
ونحن نشاهد في الأمور العادية أصحاب المهن والحرف كل واحد راض بعمله وميسر له ، وهكذا نظام الكون كله ، والذي يهم هنا أن كلا من الطاعة أو المعصية له أثره على ما بعده .
تنبيه
قيل : إن هذه المقارنة بين : من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى ، واقعة بين أبي بكر رضي اللّه عنه ، وبين غيره من المشركين .
ومعلوم أن العبرة بعموم اللفظ فهي عامة في كل من أعطى واتقى وصدق ، أو بخل واستغنى وكذب . واللّه تعالى أعلم .
قوله تعالى :
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى ( 11 )
[ 11 ] .
رد على من بخل واستغنى ، وما هنا يمكن أن تكون نافية أي لا يغني عنه
هامش
( 1 ) أخرجه عن زيد بن أسلم : مالك في الزكاة حديث 31 .
( 2 ) سبق تخريجه في الجزء السابع .