سِنِينَ
[ الروم : 1 - 4 ] وقوله :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
[ البقرة :
249 ] وقوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
[ آل عمران : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وبيّن تعالى أن المقتول ليس بغالب بل هو قسم مقابل للغالب بقوله :
وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ
[ النساء : 74 ] فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعا على النبي المقاتل ؛ لأن اللّه كتب وقضى له في أزله أنه غالب وصرح بأن المقتول غير غالب .
وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين ، غلبة بالحجة والبيان ، وهي ثابتة لجميعهم ، وغلبة بالسيف والسنان ، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا منهم بالقتال في سبيل اللّه ؛ لأن من لم يؤمر بالقتال ليس بغالب ولا مغلوب ؛ لأنه لم يغالب في شيء وتصريحه تعالى ، بأنه كتب أن رسله غالبون شامل لغلبتهم من غالبهم بالسيف ، كما بينا أن ذلك هو معنى الغلبة في القرآن ، وشامل أيضا لغلبتهم بالحجة والبيان ، فهو مبين أن نصر الرسل المذكور في قوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
[ غافر : 51 ] الآية وفي قوله :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
( 172 ) [ الصافات : 171 - 172 ] أنه نصر غلبة بالسيف والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد ؛ لأن الغلبة التي بين أنها كتبها لهم أخص من مطلق النصر ؛ لأنها نصر خاص ، والغلبة لغة القهر والنصر لغة إعانة المظلوم ، فيجب بيان هذا الأعم بذلك الأخص .
وبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير ابن جرير - رحمه اللّه - ومن تبعه في تفسير قوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ
الآية . من أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد ، وأن نصره المنصوص في الآية ، حينئذ يحمل على أحد أمرين :
أحدهما : أن اللّه ينصره بعد الموت ، بأن يسلط على من قتله من ينتقم منه ، كما فعل بالذين قتلوا يحيى وزكريا وشعيا من تسليط بختنصر عليهم ، ونحو ذلك .
الثاني : حمل الرسل في قوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
على خصوص نبينا صلّى اللّه عليه وسلم وحده ، أنه لا يجوز حمل القرآن عليه لأمرين :
أحدهما : أنه خروج بكتاب اللّه عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب ، ولا سنة ولا إجماع ، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جدا ، غير معروف في لسان العرب ، فحمل القرآن عليه بلا دليل غلط ظاهر ، وكذلك حمل الرسل على نبينا وحده صلّى اللّه عليه وسلم فهو بعيد جدا أيضا ، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل كثيرة ، لا نزاع فيها .
الثاني : أن اللّه لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر الذي هو في اللغة إعانة المظلوم ، بل صرح بأن ذلك النصر المذكور للرسل نصر غلبة بقوله :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا