فإذا زرع وخرج عن أن يكون مطعوما لم يحرم فيه الربا ، فإذا انعقد الحب وصار مطعوما حرم فيه الربا ، فدل على أن العلة فيه كونه مطعوما ، ولذا كان الماء يحرم فيه الربا على أحد الوجهين عند الشافعية ؛ لأن اللّه تعالى قال :
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
[ البقرة : 249 ] ولقول عائشة المتقدم ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر ، ولقول الشاعر :
فإن شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
والنقاخ الماء البارد ، هذا هو حجة الشافعية في أن علة الربا في الأربعة الطعم فألحقوا بها كل مطعوم للعلة الجامعة بينهما .
قال : مقيده - عفا اللّه عنه - الاستدلال بحديث معمر المذكور « 1 » على أن علة الربا الطعم لا يخلو عندي من نظر ، واللّه تعالى أعلم ؛ لأن معمرا المذكور لما قال : قد كنت أسمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « الطعام بالطعام مثلا بمثل » . قال عقبة : وكان طعامنا يومئذ الشعير كما رواه عنه أحمد « 2 » ومسلم « 3 » ، وهذا صريح في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير ، وقد تقرر في الأصول أن العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام ، وعقده في مراقي السعود بقوله : في مبحث المخصص المنفصل عاطفا على ما يخصص العموم :
والعرف حيث قارن الخطابا * ودع ضمير البعض والأسبابا
وأشهر الروايات عن أحمد أن علة الربا في الأربعة كونها مكيلة جنس ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وعليه يحرم الربا في كل مكيل ، ولو غير طعام كالجص والنورة والأشنان .
واستدلوا بما رواه الدارقطني « 4 » عن عبادة وأنس بن مالك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا وما كيل فمثل ذلك ، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به » « 5 » قال العلامة الشوكاني في نيل الأوطار : حديث أنس وعبادة أشار إليه في التخليص ولم يتكلم عليه ، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره ، وضعفه جماعة ، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضا ، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولا وغيره من الأحاديث ا ه منه بلفظه .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) المسند 6 / 400 .
( 3 ) سبق تخريجه .
( 4 ) كتاب البيوع حديث ( 58 ) 3 / 18 .
( 5 ) سبق تخريجه .