مَحِلَّهُ
[ البقرة : 196 ] .
ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية ، وهو محرم ، وأمر أصحابه أن يحلقوا وقال : « اللّهمّ ارحم المحلّقين . قالوا :
والمقصّرين يا رسول اللّه ؟ قال : اللهم ارحم المحلّقين . قالوا : والمقصّرين يا رسول اللّه ؟
قال : والمقصّرين » « 1 » .
فهذه أدلة واضحة على عدم سقوط الحلق على المحصر ، وقياس من قال بعدم اللزوم ، الحلق على غيره من أفعال النسك التي صد عنها ، ظاهر السقوط ، لأن الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة مثلا ، كل ذلك منع منه المحصر وصد عنه ، فسقط عنه ، لأنه حيل بينه وبينه ، ومنع منه .
وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله ؛ فلا وجه لسقوطه ، ولا شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه ، أن الحلاق نسك على من أتم نسكه ، وعلى من فاته الحج وعلى المحصر بعدو ، وعلى المحصر بمرض .
وعلى القول الصحيح من أن الحلاق نسك ، فالمحصر يتحلل بثلاثة أشياء : وهي النية ، وذبح الهدي ، والحلاق . وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك يتحلل بالنية والذبح .
الفرع الرابع : قد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه نحر قبل أن يحلق في عمرة الحديبية « 2 » ، وفي حجة الوداع « 3 » ، ودل القرآن على أن النحر قبل الحلق في موضعين :
أحدهما : قوله تعالى :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[ البقرة : 196 ] .
والثاني : قوله تعالى في سورة الحج :
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
[ الحج : 28 ] الآية .
فالمراد بقوله :
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ
الآية ، ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعا ، وقد قال تعالى بعده عاطفا ب ثم التي هي للترتيب :
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
[ الحج : 29 ] الآية . وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق ، فهو نص صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق ، ومن إطلاق التفث على الشعر ونحوه ، قول أمية بن أبي الصلت :
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن عمر : البخاري في الحج حديث 1727 ، ومسلم في الحج حديث 317 ، وأبو داود في المناسك حديث 1979 .
( 2 ) أخرجه عن المسور بن مخرمة : البخاري في الشروط حديث 2731 و 2733 .
( 3 ) أخرجه عن أنس بن مالك : مسلم في الحج حديث 323 .