في بيته لا من عند المسجد ؟ ولقد تطلبت ذلك طويلا فلم أقف على قول فيه ، ثم بدا لي من واقع تاريخه وارتباطه بواقع المسلمين والمسجد الحرام أن مسجد قباء له ارتباطات عديدة بالمسجد الحرام .
أولا : من حيث الزمن ، فهو أسبق من مسجد المدينة .
ومن حيث الأولية النسبية ، فالمسجد الحرام أول بيت وضع للناس .
ومسجد قباء أول مسجد بناه المسلمون .
والمسجد الحرام بناه الخليل .
ومسجد قباء بناه خاتم المرسلين .
والمسجد الحرام كان مكانه باختيار من اللّه ، وشبيه به مكان مسجد قباء .
ومن حيث الموضوعية فالمسجد الحرام مأمنا وموئلا للعاكف والباد .
ومسجد قباء مأمنا ومسكنا وموئلا للمهاجرين الأولين ، ولأهل قباء فكان للصلاة فيه شدة ارتباط بالمسجد الحرام تجعل المتطهر في بيته والقاصد إليه للصلاة فيه كأجر عمرة . ولو قيل : إن اشتراط التطهير في بيته لا عند المسجد شدة عناية به أولا ، وتمحيص القصد إليه ثانيا ، وتشبيها أو قريبا بالفعل من اشتراط الإحرام للعمرة من الحل ، لا من عند البيت في العمرة الحقيقة ، لما كان بعيدا . فالتطهر من بيته والذهاب إلى قباء للصلاة فيه كالإحرام من الحل والدخول في الحرم للطواف والسعي ، كما فيه تعويض المهاجرين عما فاتهم من جوار البيت الحرام قبل الفتح . واللّه تعالى أعلم .
تنبيه آخر
إن مما ينبغي أن يعلم أن للمسجد في المجتمع الإسلامي رسالة عظمى ألزم ما يكون على المسلمين إحياؤها : وهي أن المسجد لهم هو بيت الأمة فيهم لجميع مصالحهم العامة والخاصة تقريبا مما يصلح له ، فكأن المسجد النبوي في أول أمر المسلمين المثال لذلك .
إذ كان المصلى الذي تتضاعف فيه الصلاة ، وكان المعهد لتلقي العلم منه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن جبريل عليه السلام ومن الأئمة ورثة الأنبياء ، ولا يزال بحمد اللّه كما قال صلى اللّه عليه وسلم « يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون عالما كعالم