وجاء بعد ذلك مباشرة للمقارنة مرة أخرى أعم من الأولى في قوله تعالى :
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 109 ) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ
[ التوبة : 109 - 110 ] .
وبهذا يكون السبب في نزول الآية هو المقارنة بين مبدأين متغايرين ، وأن الأولية في الآية في قوله :
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
[ التوبة : 108 ] أولية نسبية أي بالنسبة لكل مسجد في أول يوم بنائه ، وإن كان الظاهر فيها أولية زمانية خاصة ، وهو أول يوم وصل صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، ونزل بقباء ، وتظل هذه المقارنة في الآية موجودة إلى ما شاء اللّه في كل زمان ومكان كما قدمنا .
وقد اختصت تلك المساجد الأربعة بأمور تربط بينها بروابط عديدة ، أهمها تحديد مكانها حيث كان بوحي أو شبه الوحي .
ففي البيت الحرام قوله تعالى :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
[ الحج :
26 ] .
وفي المسجد الأقصى : ما جاء في الأثر عنه : أن اللّه أوحى إلى نبيه داود . أن ابن لي بيتا ، قال : وأين تريدني أبنيه لك يا رب ؟ قال : حيث ترى الفارس المعلم شاهرا سيفه . فرآه في مكانه الآن ، وكان حوشا لرجل من بني إسرائيل . إلى آخر القصة في البيهقي « 1 » .
وفي مسجد قباء بسند فيه ضعف . لما نزل صلى اللّه عليه وسلم قباء قال : من يركب الناقة إلى أن ركبها عليّ ، فقال له : أرخ زمامها فاستنت ، فقال : خطوا المسجد حيث استنت .
وفي المسجد النبوي : جاء في السير كلها أنه صلى اللّه عليه وسلم كان كلما مر بحي من أحياء المدينة ، وقالوا له : هلم إلى العدد والعدة ، فيقول : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، حتى وصلت إلى أمام بيت أبي أيوب الأنصاري رضي اللّه عنه ، وكان أمامه مربد لأيتام ومقبرة ليهود ، فاشترى المكان ونبش القبور وبنى المسجد « 2 » .
هامش
( 1 ) السنن الكبرى ، كتاب الهبات 6 / 168 .
( 2 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في الصلاة حديث 428 ، ومسلم في المساجد ومواضع -