ولم يصدقه لأنه لم يعلم عنهم سابقا ، مع أنه وصف حالهم وصفا دقيقا .
وكان موقفه عليه السلام موقف التثبت مع ما لديه من إمكانيات الكشف والتحقيق من الريح والطير والجن . فقال للمخبر وهو الهدهد : سننظر ، أصدقت أم كنت من الكاذبين .
ونحن في هذه الآونة لسنا أشد إمكانيات من نبي اللّه سليمان آنذاك ، وليس المخبرون عن مثل هذه النظريات أقل من الهدهد . فليكن موقفنا على الأقل موقف من سينظر أيصدق الخبر أم يظهر كذبه ؟
والغرض من هذا التنبيه هو ألا نحمل لفظ القرآن فيما هو ليس صريحا فيه ما لا يحتمله ، ثم يظهر كذب النظرية أو صدقها ، فنجعل القرآن في معرض المقارنة مع النظريات الحديثة ، والقرآن فوق ذلك كله
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
[ فصلت : 42 ] .
قوله تعالى :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( 4 )
[ 4 ] .
المنصوص هنا إرجاع البصر كرتين ، ولكن حقيقة النظر أربع مرات .
الأولى في قوله :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
[ الملك : 3 ] .
والثانية في قوله :
فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
[ الملك : 3 ] .
والثالثة والرابعة في قوله :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
[ الملك : 4 ] .
وليس بعد معاودة النظر أربع مرات من تأكيد ، والحسير : العي الكليل العاجز المتقطع دون غاية ، كما في قول الشاعر :
من مد طرفا إلى ما فوق غايته * ارتد خسآن من الطرف قد حسرا
قال القرطبي : يقال قد حسر بصره يحسر حسورا ، أي كل وانقطع نظره من طول مدى ، وما أشبه ذلك فهو حسير ومحسور أيضا .
قال :
نظرت إليها بالمحصب من منى * فعاد إلي الطّرف وهو حسير
قوله تعالى :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا
[ 5 ] .