وما ذكره من أن المراد بقوله : حتى نعلم المجاهدين الآية ، حتى يعلم حزبنا .
وأولياؤنا المجاهدين منكم والصابرين له وجه ، وقد يرشد له قوله تعالى :
وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
( 31 ) أي نظهرها ونبرزها للناس .
وقوله تعالى :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
[ آل عمران : 179 ] لأن المراد يميز الخبيث من الطيب ظهور ذلك الناس .
ولذا قال
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
[ آل عمران : 179 ] فتعلموا ما ينطوي عليه الخبيث والطيب ، ولكن اللّه عرفكم بذلك بالاختبار والابتلاء الذي تظهر بسببه طوايا الناس من خبث وطيب .
والقول الأول وجيه أيضا ، والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 )
[ 32 ] .
الظاهر أن صدوا في هذه الآية متعدية ، والمفعول محذوف ، أي كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل اللّه فهم ضالون مضلون .
وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
[ النحل : 97 ] الآية . أن التأسيس مقدم على التوكيد كما هو مقرر في الأصول .
وصدوا هنا ، إن قدرت لازمة فمعنى الصدود الكفر ، فتكون كالتوكيد لقوله كفروا .
وإن قدرت متعدية كان ذلك تأسيسا .
لأن قوله : كفروا يدل على كفرهم في أنفسهم .
وقوله : وصدوا على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر وصدوه عن الحق ، وهذا أرجح مما قبله .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَشَاقُّوا الرَّسُولَ
أي خالفوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم مخالفة شديدة .
وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين أحدهما أن الذين كفروا وصدوا غيرهم عن الحق وخالفوه صلّى اللّه عليه وسلم لن يضروا اللّه بكفرهم شيئا ، لأنه غني لذاته الغنى المطلق .
والثاني أنهم إنما يضرون بذلك أنفسهم ، لأن ذلك الكفر سبب لإحباط أعمالهم ، كما قال تعالى :
وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ
( 32 ) .