ثم يقال للمانعين من التقليد أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد في الخطأ ، بأن يكون مقلده مخطئا في فتواه ، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق .
ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه .
وهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها ، فإنه إذا قلد عالما بتلك السلعة خبيرا بها أمينا ناصحا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه ، وهذا متفق عليه بين العقلاء ا ه .
هذا هو غاية ما يحتج به المقلدون ، وقد ذكره ابن القيم رحمه اللّه في إعلام الموقعين ، وبين بطلانه من واحد وثمانين وجها .
وسنذكر هنا إن شاء اللّه جملا مختصرة من كلامه الطويل تكفي المنصف .
وتزيد المسألة إن شاء اللّه إيضاحا وإقناعا .
قال في إعلام الموقعين بعد ذكره حجج المقلدين التي ذكرناها آنفا ما نصه :
قال أصحاب الحجة :
عجبا لكم معاشر المقلدين ، الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله ، ولا معدودين في زمرة أهله .
كيف أبطلتم مذهبكم ، بنفس دليلكم ، فما للمقلد وما للاستدلال ؟
وأين منصب المقلد من منصب المستدل ؟
وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابا استعرتموها ، من صاحب الحجة فتجملتم بها ، بين الناس ، وكنتم في ذلك متشبهين بما لم تعطوه ، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه ، وذلك ثوب زور لبستموه ، ومنصب لستم من أهله غصبتموه .
فأخبرونا ، هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه ، وبرهان دلكم عليه ، فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل ، وكنتم به عن التقليد بمعزل ، أم سلكتم سبيله اتفاقا ، وتخمينا من غير دليل .
وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين ، سبيل ، وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم ، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم .
ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة ، قلتم لسنا من أهل هذه السبيل ، وإن خاطبناكم بحكم التقليد ، فلا معنى لما أقمتموه من الدليل .
والعجب أن كل طائفة من الطوائف ، وكل أمة من الأمم ، تدعي أنها على حق ، حاشا
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 333
مساهمون: الشنقيطي
ص٣٣٣