تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 851

مساهمون:

ص٨٥١
الصالحة ، فقال :
إِذْ أَبَقَ
أي : من ربه مغاضبا له ظانا أنه لا يقدر عليه ، ويحبسه في بطن الحوت . ولم يذكر اللّه ما غاضب عليه ، ولا ذنبه الذي ارتكبه ، لعدم فائدتنا بذكره . وإنما فائدتنا بما ذكر لنا عنه ، أنه أذنب ، وعاقبه اللّه مع كونه من الرسل الكرام ، وأنه نجاه بعد ذلك ، وأزال عنه الملام ، وقيّض له ما هو سبب صلاحه . فلما أبق لجأ
إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
بالركاب والأمتعة ، فلما ركب مع غيره ، والفلك شاحن ، ثقلت السفينة فاحتاجوا إلى إلقاء بعض الركاب ، وأنهم لم يجدوا لأحد مزية في ذلك ، فاقترعوا على أن من قرع وغلب ، ألقي في البحر عدلا من أهل السفينة ، وإذا أراد اللّه أمرا هيأ أسبابه . [ 141 - 142 ] فلما اقترعوا أصابت القرعة يونس
فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
أي : المغلوبين ، فألقي في البحر
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ
وقت التقامه
مُلِيمٌ
أي : فاعل ما يلام عليه ، وهو مغاضبته لربه . [ 143 ]
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
( 143 ) أي : في وقته السابق بكثرة عبادته لربه ، وتسبيحه ، وتحميده ، وفي بطن الحوت حيث قال :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
. [ 144 ]
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
( 144 ) أي : لكانت مقبرته ، ولكن بسبب تسبيحه وعبادته للّه ، نجّاه اللّه تعالى . وكذلك ينجي اللّه المؤمنين ، عند وقوعهم في الشدائد . [ 145 ]
فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ
بأن : قذفه الحوت من بطنه بالعراء ، وهي الأرض الخالية العارية من كل أحد ، بل ربما كانت عارية من الأشجار والظلال
وَهُوَ سَقِيمٌ
أي : قد سقم ومرض ، بسبب حبسه في بطن الحوت ، حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة . [ 146 ]
وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ
( 146 ) تظله بظلها الظليل ، لأنها باردة الظلال ، ولا يسقط عليها ذباب ، وهذا من لطفه به وبره . [ 147 ] ثم لطف به لطفا آخر ، وامتنّ عليه منّة عظمى ، وهو أنه أرسله
إِلى مِائَةِ أَلْفٍ
من الناس
أَوْ يَزِيدُونَ
عنها . والمعنى أنهم إن لم يزيدوا عنها ، لم ينقصوا ، فدعاهم إلى اللّه تعالى : [ 148 ]
فَآمَنُوا
فصاروا في موازينه ، لأنه الداعي لهم .
فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
بأن صرف اللّه عنهم العذاب ، بعد ما انعقدت أسبابه . قال تعالى :
فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
( 98 ) . [ 149 ] يقول تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم :
فَاسْتَفْتِهِمْ
أي : اسأل المشركين باللّه غيره ، الذين عبدوا الملائكة ، وزعموا أنها بنات اللّه ، فجمعوا بين الشرك باللّه ، ووصفه بما لا يليق بجلاله .
أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
أي : هذه قسمة ضيزى ، وقول جائر ، من جهة جعلهم الولد للّه تعالى ، ومن جهة جعلهم أردأ القسمين وأخسهما له وهو البنات اللاتي لا يرضونهن لأنفسهم ، كما قال في الآية الأخرى
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
( 57 ) ومن جهة جعلهم الملائكة بنات اللّه ، وحكمهم بذلك . قال تعالى في بيان كذبهم :
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ
( 150 ) خلقهم ؟ أي : ليس الأمر كذلك ، فإنهم ما شهدوا خلقهم . فدلّ على أنهم قالوا هذا القول ، بلا علم ، بل افتراء على اللّه ، ولهذا قال تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ
أي : كذبهم الواضح
لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 152 ) « في قولهم ذلك كذبا بينا لا ريب فيه » .
أَصْطَفَى
أي : اختار
الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ