تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 774

مساهمون:

ص٧٧٤
في الدنيا . فهذا خلقهم القبيح ، والعبد يبعث على ما مات عليه . [ 56 ]
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ
أي : منّ اللّه عليهم بهما ، وصار وصفا لهم ، العلم بالحق ، والإيمان المستلزم إيثار الحقّ . وإذا كانوا عالمين بالحق ، مؤثرين له ، لزم أن يكون قولهم مطابقا للواقع ، مناسبا لأحوالهم . فلهذا قالوا الحقّ :
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ
أي : في قضائه وقدره ، الذي كتبه اللّه عليكم ، وفي حكمه
إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ
أي : عمرا ، يتذكر فيه المتذكر ، ويتدبر فيه المتدبر ، ويعتبر فيه المعتبر ، حتى صار البعث ، ووصلتم إلى هذه الحال .
فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
فلذلك أنكرتموه في الدنيا ، وأنكرتم إقامتكم في الدنيا وقتا ، تتمكنون فيه من الإنابة والتوبة . فلم يزل الجهل شعاركم ، وآثاره من التكذيب والخسار دثاركم . [ 57 ]
فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ
فإن كذبوا ، وزعموا أنهم ما قامت عليهم الحجة ، أو ما تمكنوا من الإيمان ، ظهر كذبهم ، بشهادة أهل العلم والإيمان ، وشهادة جلدهم ، وأيديهم ، وأرجلهم . وإن طلبوا الإعذار وأن يردّوا فلا يعودوا لما نهوا عنه ، لم يمكّنوا ، فإنه فات وقت الإعذار ، فلا تقبل معذرتهم .
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
أي : لا يزال عتبهم ، والعتاب عنهم . [ 58 ] أي :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا
لأجل عنايتنا ، ورحمتنا ، ولطفنا ، وحسن تعليمنا .
لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
تتضح به الحقائق ، وتعرف به الأمور ، وتنقطع به الحجة . وهذا عام في الأمثال ، الّتي يضربها اللّه ، في تقريب الأمور المعقولة بالمحسوسة . وفي الإخبار ، بما سيكون ، وجلاء حقيقته ، حتى كأنه وقع . ومنه في هذا الموضع ، ذكر اللّه تعالى ، ما يكون يوم القيامة وحالة المجرمين فيه وشدة أسفهم ، وأنه لا يقبل منهم عذر ولا عتاب . ولكن أبى الظالمون الكافرون ، إلا معاندة الحقّ الواضح ، ولهذا قال :
وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ
أي : أي آية ، تدل على صحة ما جئت به
لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ
أي : قالوا للحق : إنه باطل . وهذا من كفرهم وجراءتهم ، وطبع اللّه على قلوبهم ، وجهلهم المفرط ، ولهذا قال : [ 59 ]
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
( 59 ) فلا يدخلها خير ، ولا تدرك الأشياء على حقيقتها ، بل ترى الحقّ باطلا ، والباطل حقا . [ 60 ]
فَاصْبِرْ
على ما أمرت به ، وعلى دعوتهم إلى اللّه . ولو رأيت منهم إعراضا ، فلا يصدنك ذلك .
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
أي : لا شك فيه ، وهذا مما يعين على الصبر ، فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع ، بل سيجده كاملا ، هان عليه ما يلقاه من المكاره ، وتيسر عليه كلّ عسير ، واستقل من عمله كلّ كثير .
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ
أي : قد ضعف إيمانهم ، وقلّ يقينهم ، فخفت لذلك أحلامهم ، وقلّ صبرهم . فإيّاك أن يستخفك هؤلاء ، فإنك إن تجعلهم منك على بال ، وتحذر منهم ، وإلا استخفوك ، وحملوك على عدم الثبات ، على الأوامر والنواهي . والنفس تساعدهم على هذا وتطلب التشبه والموافقة . وهذا مما يدل على أن كلّ مؤمن موقن ، رزين