تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 771

مساهمون:

ص٧٧١
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ
أي : ما أعطيتم من أموالكم الزائدة عن حوائجكم ، وقصدكم بذلك أن يربو أي : يزيد في أموالكم ، بأن تعطوها لمن تطمعون أن يعاوضكم عنها بأكثر منها ، فهذا العمل ، لا يربو أجره عند اللّه ، لكونه معدوم الشرط ، الذي هو الإخلاص . ومثل ذلك العمل ، الذي يراد به الزيادة ، في الجاه والرياء عند الناس ، فهذا كله لا يربو عند اللّه .
وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ
أي : مال يطهركم من الأخلاق الرذيلة ، ويطهر أموالكم من البخل بها ، ويزيد في دفع حاجة المعطى .
تُرِيدُونَ
بذلك
وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
أي : المضاعف لهم الأجر ، الذي تربو نفقاتهم عند اللّه ، ويربيها اللّه لهم ، حتى تكون شيئا كثيرا . ودلّ قوله :
وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ
أن الصدقة مع اضطرار من يتعلق بالمنفق ، أو مع دين عليه ، لم يقضه ، ويقدم عليه الصدقة ، أن ذلك ليس بزكاة ، يؤجر عليه العبد ، ويرد تصرفه شرعا ، كما قال تعالى في الذي يمدح :
الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى
( 18 ) . فليس مجرّد إيتاء المال خيرا ، حتى يكون بهذه الصفة ، وهو : أن يكون على وجه ، يتزكى به صاحبه . [ 40 ] يخبر تعالى أنه وحده ، المنفرد بخلقكم ورزقكم ، وإماتتكم وإحيائكم ، وأنه ليس أحد من الشركاء ، الّتي يدعوها المشركون ، من يشارك اللّه في شيء من هذه الأشياء . فكيف يشركون ، بمن انفرد بهذه الأمور ، من ليس له تصرف فيها ، بوجه من الوجوه ؟ فسبحانه وتعالى ، وتقدس ، وتنزه ، وعلا عن شركهم . فلا يضره ذلك ، وإنّما وباله عليهم . [ 41 ] أي : استعلن الفساد في البر والبحر ، أي : فساد معايشهم ونقصها ، وحلول الآفات بها . وفي أنفسهم من الأمراض والوباء ، وغير ذلك . وذلك بسبب ما قدمت أيديهم ، من الأعمال الفاسدة ، المفسدة ، بطبعها . هذه المذكورة
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
أي : ليعلموا أنه المجازي على الأعمال ، فعجل لهم نموذجا ، من جزاء أعمالهم في الدنيا .
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
عن أعمالهم ، الّتي أثرت لهم من الفساد ما أثرت . فتصلح أحوالهم ، ويستقيم أمرهم . فسبحان من أنعم ببلائه ، وتفضل بعقوبته ، وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ، ما ترك على ظهرها من دابة . [ 42 ] والأمر بالسير في الأرض ، يدخل فيه السير بالأبدان ، والسير في القلوب ، للنظر والتأمل ، بعواقب المتقدمين .
كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ
تجدون عاقبتهم شر العواقب ، ومآلهم شر مآل . عذاب استأصلهم ، وذم ولعن من خلق اللّه يتبعهم ، وخزي متواصل . فاحذروا أن تفعلوا أفعالهم ، لئلا يحذى بكم حذوهم ، فإن عدل اللّه وحكمته في كلّ زمان ومكان . [ 43 ] أي : أقبل بقلبك ، وتوجه بوجهك ، واسع ببدنك ، لإقامة الدين القيّم المستقيم . فنفذ أوامره ونواهيه ، بجد واجتهاد ، وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة . وبادر زمانك ، وحياتك ، وشبابك ،
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ
وهو يوم القيامة ، الذي إذا جاء ، لا يمكن رده ، ولا يرجأ العاملون ليستأنفوا العمل ، بل فرغ من الأعمال ، لم
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 771 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي