تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 767

مساهمون:

ص٧٦٧
أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
تناسبكم وتناسبونهن ، وتشاكلكم وتشاكلونهن .
لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
بما رتب على الزواج ، من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة . فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة ، والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم ، والسكون إليها . فلا تجد بين اثنين في الغالب ، مثل ما بين الزوجين ، من المودة والرحمة .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
يعملون أفكارهم ، ويتدبرون آيات اللّه ، وينتقلون من شيء إلى شيء . [ 22 ] والعالمون ، هم أهل العلم ، الّذين يفهمون العبر ، ويتدبرون الآيات ، وآيات اللّه في ذلك كثيرة :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وما فيهما ، فإن ذلك ، دال على عظمة سلطان اللّه ، وكمال اقتداره ، الذي أوجد هذه المخلوقات العظيمة وكمال حكمته ، لما فيها من الإتقان ، وسعة علمه - لأن الخالق ، لا بد أن يعلم ما خلقه
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
- وعموم رحمته وفضله ، لما في ذلك من المنافع الجليلة . وأنه المريد ، الذي يختار ما يشاء ، لما فيها من التخصيصات والمزايا . وأنه وحده ، الذي يستحق أن يعبد ويوحد ؛ لأنه المنفرد بالخلق ، فيجب أن يفرد بالعبادة . فكل هذه ، أدلة عقلية ، نبه اللّه العقول إليها ، وأمرها بالتفكر ، واستخراج العبرة منها .
وَ
كذلك في
اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
على كثرتكم وتباينكم مع أن الأصل واحد ، ومخارج الحروف واحدة . ومع ذلك لا تجد صوتين متفقين من كلّ وجه ، ولا لونين متشابهين من كلّ وجه ، إلا وتجد من الفرق بين ذلك ما به يحصل التمييز .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ
أي : إن هذا دال على كمال قدرته ، ونفوذ مشيئته . ومن عنايته بعباده ، ورحمته بهم أن قدر ذلك الاختلاف لئلا يقع التشابه فيحصل الاضطراب ، ويفوت كثير من المقاصد والمطالب . [ 23 ] أي سماع تدبر ، وتعقل للمعاني والآيات في ذلك . إن ذلك دليل على رحمة اللّه تعالى ، كما قال :
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 73 ) . وعلى تمام حكمته ، إذ حكمته ، اقتضت سكون الخلق في وقت ، ليستريحوا ويستجموا . وانتشارهم في وقت ، لمصالحهم الدينية والدنيوية ، ولا يتم ذلك ، إلا بتعاقب الليل والنهار عليهم ، والمنفرد بذلك ، هو المستحق للعبادة . [ 24 ] أي : ومن آياته ، أن ينزل عليكم المطر ، الذي تحيا به البلاد والعباد ، ويريكم قبل نزوله مقدماته ، من الرعد ، والبرق ، الذي يخاف ويطمع فيه .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
دالة على عموم إحسانه ، وسعة علمه ، وكمال إتقانه ، وعظيم حكمته ، وأنه يحيي الموتى ، كما أحيا الأرض بعد موتها .
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
أي : لهم عقول ، تعقل بها ما تسمعه ، وتراه وتحفظه ، وتستدل به ، على ما جعل دليلا عليه . [ 25 ] أي : ومن آياته العظيمة ، أن قامت السماوات والأرض ، واستقرنا ، وثبتتا بأمره ، فلم تتزلزلا ، ولم تسقط السماء على الأرض . فقدرته العظيمة ، الّتي بها أمسك السماوات والأرض ، أن تزولا ، يقدر بها ، على أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض ، إذا هم يخرجون
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
. [ 26 ]
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
لكل خلقه ومماليكه ، والمتصرف فيهم من غير منازع ، ولا معاون ، ولا معارض ، وكلهم قانتون لجلاله ، خاضعون لكماله . [ 27 ]
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ
أي : إعادة الخلق بعد موتهم
أَهْوَنُ عَلَيْهِ
من ابتداء خلقهم ، وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول . فإذا كان قادرا على الابتداء ، الذي تقرون به ، كانت قدرته على الإعادة ، الّتي هي أهون ، أولى وأولى . ولما ذكر من الآيات العظيمة ، ما به يعتبر المعتبرون ، ويتذكر المؤمنون ويستبصر المهتدون ، ذكر الأمر العظيم ، والمطلب الكبير فقال :
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وهو كلّ صفة كمال . والكمال في تلك الصفة ، والمحبة ، والإنابة التامة الكاملة ، في قلوب عباده المخلصين ، والذكر الجليل ، والعبادة منهم . فالمثل الأعلى ، هو وصفه الأعلى ، وما ترتب عليه . ولهذا كان أهل العلم ، يستعملون في حق الباري ، قياس الأولى ، فيقولون : كل