تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 765

مساهمون:

ص٧٦٥
ويحلوا بساحته . وهذه الأمور لو قارنها الإيمان ، وبنيت عليه ، لأثمرت الرّقي العالي ، والحياة الطيبة . ولكنها لما بني كثير منها على الإلحاد ، لم تثمر إلا هبوط الأخلاق ، وأسباب الفناء والتدمير . [ 8 - 9 ] أي : أفلم يتفكر هؤلاء المكذبون لرسل اللّه ولقائه
فِي أَنْفُسِهِمْ
. فإن في أنفسهم ، آيات يعرفون بها ، أن الذي أوجدهم من العدم ، سيعيدهم بعد ذلك ، وأن الذي نقلهم أطوارا من نطفة إلى علقة ، إلى مضغة ، إلى آدمي ، قد نفخ فيه الروح ، إلى طفل ، إلى شاب ، إلى شيخ ، إلى هرم ، غير لائق أن يتركهم سدى مهملين ، لا ينهون ولا يؤمرون ، ولا يثابون ولا يعاقبون .
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
أي : ليبلوكم أيكم أحسن عملا .
وَأَجَلٍ مُسَمًّى
أي : مؤقت بقاؤهما إلى أجل تنقضي به الدنيا ، وتقوم القيامة ، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات .
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ
فلذلك لم يستعدوا للقائه ، ولم يصدقوا رسله الّتي أخبرت به ، وهذا الكفر عن غير دليل . بل الأدلة القاطعة ، دلّت على البعث والجزاء . ولهذا نبههم على السير في الأرض ، والنظر في عاقبة الّذين كذّبوا رسلهم ، وخالفوا أمرهم ، ممن هم أشد من هؤلاء قوة ، وأكثر آثارا في الأرض ، من بناء قصور ، ومصانع ، ومن غرس أشجار ، ومن زرع ، وإجراء أنهار . فلم تغن عنهم قوتهم ، ولا نفعتهم آثارهم ، حين كذّبوا رسلهم ، الّذين جاءوهم بالبينات الدالات على الحقّ ، وصحة ما جاءوهم به . فإنهم حين ينظرون في آثار أولئك ، لم يجدوا إلا أمما بائدة ، وخلقا مهلكين ، ومنازل بعدهم موحشة ، وذم من الخلق عليهم متتابع . وهذا جزاء معجل ، توطئة للجزاء الأخروي ، ومبتدأ له . وكلّ هذه الأمم المهلكة ، لم يظلمهم اللّه بذلك الإهلاك ، وإنّما ظلموا أنفسهم ، وتسببوا في هلاكها . [ 10 ]
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا
أي : المسيئين
السُّواى
أي : الحالة السيئة الشنيعة . وصار ذلك داعيا لهم إلى
أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ
. فهذا عقوبة إساءتهم وذنوبهم . ثمّ ذلك الاستهزاء والتكذيب ، يكون سببا لأعظم العقوبات ، وأعضل المثلاث . [ 11 ] يخبر تعالى ، أنه المتفرد بإبداء المخلوقات ، ثمّ يعيدهم ، ثمّ إليه يرجعون بعد إعادتهم ، ليجازيهم بأعمالهم . ولهذا ذكر جزاء أهل الشر ، ثمّ جزاء أهل الخير ، فقال : [ 12 ]
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
ويقوم الناس لرب العالمين ، ويردون القيامة عيانا . يومئذ
يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
أي : ييأسون من كلّ خير . وذلك لأنهم ما قدموا لذلك اليوم إلا الإجرام ، وهو الذنوب ، من كفر ، وشرك ، ومعاصي . فلما قدموا أسباب العقاب ، ولم يخلطوها بشيء من أسباب الثواب ، أيسوا ، وأبلسوا ، وأفلسوا ، وضل عنهم ما كانوا يفترونه ، من نفع شركائهم ، وأنهم يشفعون لهم . [ 13 - 14 ] ولهذا قال :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ
الّتي عبدوها مع اللّه
شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ
. تبرأ المشركون ممن أشركوهم مع اللّه ، وتبرأ المعبودون ، وقالوا :
تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا