تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 666

مساهمون:

ص٦٦٦
بها إلى يوم القيامة فكل هذا خير عظيم ، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك . وإذا أراد اللّه أمرا جعل له سببا ، ولذلك جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم . وأخبر أن قدح بعضهم ببعض ، كقدح في أنفسهم . ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، واجتماعهم على مصالحهم ، كالجسد الواحد ، والمؤمن للمؤمن ، كالبنيان يشد بعضه بعضا . فكما أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه ، فليكره من كلّ أحد ، أن يقدح في أخيه المؤمن ، الذي بمنزلة نفسه ، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة ، فإنه من نقص إيمانه ، وعدم نصحه .
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ
وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك ، وأنهم سيعاقبون على ما قالوا من ذلك ، وقد حد النبي صلّى اللّه عليه وسلم منهم جماعة .
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ
أي : معظم الإفك ، وهو المنافق الخبيث ، عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول ، لعنه اللّه
لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ
ألا وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار . [ 12 ] ثمّ أرشد اللّه عباده عند سماع مثل هذا الكلام فقال :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً
أي : ظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرا ، وهو السّلام مما رموا به ، وأن ما معهم من الإيمان المعلوم ، يدفع ما قيل فيهم من الإفك الباطل .
وَقالُوا
بسبب ذلك الظن ( سبحانك ) أي : تنزيها لك من كلّ سوء ، وعن أن تبتلي أصفياءك بالأمور الشنيعة .
هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
أي : كذب وبهت ، من أعظم الأشياء ، وأبينها . فهذا من الظن الواجب ، حين سماع المؤمن عن أخيه المؤمن ، مثل هذا الكلام ، أن يبرئه بلسانه ، ويكذب القائل لذلك . [ 13 ]
لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
أي : هلا جاء الرامون على ما رموا به ، بأربعة شهداء أي : عدول مرضيين .
فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ
وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك ، فإنهم كاذبون في حكم اللّه ، لأنه حرم عليهم التكلم بذلك ، من دون أربعة شهود ، ولهذا قال :
فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ
، ولم يقل « فأولئك هم الكاذبون » . وهذا كله ، من تعظيم حرمة عرض المسلم ، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه ، من دون نصاب الشهادة بالصدق . [ 14 ]
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
بحيث شملكم إحسانه فيهما ، في أمر دينكم ودنياكم .
لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ
أي : خضتم
فِيهِ
من شأن الإفك
عَذابٌ عَظِيمٌ
لاستحقاقكم ذلك بما قلتم . ولكن من فضل اللّه عليكم ورحمته ، أن شرع لكم التوبة ، وجعل العقوبة مطهرة للذنوب . [ 15 ]
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
أي : تتلقفونه ، ويلقيه بعضكم إلى بعض وتستوشون حديثه ، وهو قول باطل .
وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
والأمران محظوران ، التكلم بالباطل ، والقول بلا علم .
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً
فلذلك أقدم عليه ، من أقدم ، من المؤمنين ، الّذين تابوا منه ، وتطهروا بعد ذلك .
وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
وهذا فيه الزجر البليغ ، عن تعاطي بعض الذنوب على وجه التهاون بها ، فإن العبد لا يفيده حسبانه شيئا ، ولا يخفف من عقوبته ، الذنب ، بل يضاعف الذنب ، ويسهل عليه مواقعته ، مرة أخرى .