تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
أي : من أوزار المقلدين الذين لا علم عندهم ، إلا ما دعوهم إليه ، فيحملون إثم ما دعوهم إليه ، وأما الذين يعلمون ، فكلّ مستقلّ بجرمه ، لأنه عرف ما عرفوا
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ
أي : بئس ما حملوا من الوزر المثقل لظهورهم ، من وزرهم ، ووزر من أضلوه . [ 26 ]
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
برسلهم ، واحتالوا بأنواع الحيل ، على رد ما جاءوهم به ، وبنوا من مكرهم ، قصورا هائلة ،
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
أي : جاءها الأمر من أساسها وقاعدتها ،
فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
فصار ما بنوه عذابا ، عذبوا به ،
وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم ، ويقيهم العذاب ، فصار عذابهم فيما بنوه وأصّلوه . وهذا من أحسن الأمثال ، في إبطال اللّه مكر أعدائه . فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما كذبوهم ، وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل ، يرجعون إليها ، ويردون بها ما جاءت به الرسل ، واحتالوا أيضا على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن تبعهم ، فصار مكرهم وبالا عليهم ، فصار تدبيرهم فيه تدميرهم ، وذلك لأن مكرهم سيّئ
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
، هذا في الدنيا ، ولعذاب الآخرة أخزى ، ولهذا قال : [ 27 ]
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ
أي : يفضحهم على رؤوس الخلائق ، ويبين لهم كذبهم ، وافتراءهم على اللّه ،
وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ
أي : تحاربون وتعادون اللّه وحزبه لأجلهم ، وتزعمون أنهم شركاء للّه ، فإذا سألهم هذا السؤال ، لم يكن لهم جواب ، إلا الإقرار بضلالهم ، والاعتراف بعنادهم فيقولون :
ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
،
قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
أي : العلماء الربانيون
إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ
أي : يوم القيامة
وَالسُّوءَ
أي : سوء العذاب
عَلَى الْكافِرِينَ
. وفي هذا فضيلة أهل العلم ، وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا ، ويوم يقوم الأشهاد ، وأن لقولهم ، اعتبارا عند اللّه وعند خلقه . ثم ذكر ما يفعل بهم عند الوفاة ، وفي القيامة فقال : [ 28 ]
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
أي : تتوفاهم في هذه الحال ، التي كثر فيها ظلمهم وغيّهم ، وقد علم ما يلقى الظلمة في ذلك المقام ، من أنواع العذاب والخزي والإهانة .
فَأَلْقَوُا السَّلَمَ
أي : استسلموا ، وأنكروا ما كانوا يعبدون من دون اللّه وقالوا :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
، فيقال لهم :
بَلى
كنتم تعملون السوء ، و
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فلا يفيدكم الجحود شيئا ، وهذا في بعض مواقف القيامة ، ينكرون ما كانوا عليه في الدنيا ، ظنا منهم أنه ينفعهم ، فإذا شهدت عليهم جوارحهم ، وتبين ما كانوا عليه أقروا ، واعترفوا ، ولهذا لا يدخلون النار ، حتى يعترفوا بذنوبهم . [ 29 ] فإذا دخلوا أبواب جهنم ، فكلّ أهل عمل يدخلون من الباب اللائق بحالهم ،
فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
نار جهنم ، فإنها مثوى الحسرة والندم ، ومنزل الشقاء والألم ، ومحل الهموم والغموم ، وموضع السخط من الحي القيوم ، لا يفترّ عنهم من عذابها ، ولا يرفع عنهم يوما من أليم عقابها ، قد أعرض عنهم الرب الرحيم ، وأذاقهم العذاب العظيم . [ 30 ] لما ذكر اللّه قول المكذبين بما أنزل اللّه ، ذكر ما قاله المتقون ، وأنهم اعترفوا وأقروا ، بأن ما أنزل اللّه نعمة عظيمة ، وخير عظيم امتن اللّه به على العباد ، فقبلوا تلك النعمة ، وتلقوها بالقبول والانقياد ، وشكروا اللّه عليها ، فعلموها ، وعملوا بها ،
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
في عبادة اللّه تعالى ، وأحسنوا إلى عباد اللّه ، فلهم
فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
رزق واسع ، وعيشة هنية ، وطمأنينة قلب ، وأمن ، وسرور .
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
من هذه الدار ، وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات ، فإن هذه ، نعيمها قليل ، محشو بالآفات ، منقطع ، بخلاف نعيم الآخرة ، ولهذا قال :
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
.