تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
واحد في إلهيته وتوحيده ، وعبادته . وكما أنه ليس له مشارك ، إذ أنشأكم وأنشأ غيركم ، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته ، بل أخلصوا له الدين . [ 18 ]
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عددا مجردا عن الشكر
لا تُحْصُوها
فضلا عن كونكم تشكرونها ، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد ، بعدد الأنفاس واللحظات ، من جميع أصناف النعم ، مما يعرف العباد ، ومما لا يعرفون ، وما يدفع عنهم من النقم ، فأكثر من أن تحصى ،
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
يرضى منكم باليسير من الشكر ، مع إنعامه الكثير . [ 19 - 20 ] وكما أن رحمته واسعة ، وجوده عميم ، ومغفرته شاملة للعباد ، فعلمه محيط بهم ،
يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ
بخلاف من عبد من دونه ، فإنهم
لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً
قليلا ولا كثيرا
وَهُمْ يُخْلَقُونَ
، فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى اللّه تعالى ؟ [ 21 ] ومع هذا ، ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء ، لا علم ، ولا غيره ،
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ
فلا تسمع ، ولا تبصر ، ولا تعقل شيئا ، أفنتّخذ هذه آلهة من دون رب العالمين ؟ فتبّا لعقول المشركين ، ما أضلها ، وأفسدها ، حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا ، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه فلا أوصاف كمال ، ولا شيء من الأفعال ، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل صفة كمال ، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها ، فله العلم المحيط بكل الأشياء ، والقدرة العامة ، والرحمة الواسعة ، التي ملأت جميع العوالم ، والحمد والمجد والكبرياء والعظمة ، التي لا يقدر أحد من الخلق ، أن يحيط ببعض أوصافه ولهذا قال : [ 22 ]
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
وهو : اللّه الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . فأهل الإيمان والعقول ، أجلته قلوبهم وعظمته ، وأحبته حبا عظيما ، وصرفوا له كل ما استطاعوا من القربات البدنية والمالية ، وأعمال القلوب وأعمال الجوارح ، وأثنوا عليه بأسمائه الحسنى ، وصفاته ، وأفعاله المقدسة ،
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ
لهذا الأمر العظيم الذي لا ينكره إلا أعظم الخلق ، جهلا وعنادا ، وهو : توحيد اللّه
وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
عن عبادته . [ 23 ]
لا جَرَمَ
أي : حقا لا بد
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
من الأعمال القبيحة
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
بل يبغضهم أشد البغض ، وسيجازيهم من جنس عملهم
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
. [ 24 - 25 ] يقول تعالى - مخبرا عن شدة تكذيب المشركين بآيات اللّه :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
أي : إذا سئلوا عن القرآن والوحي ، الذي هو أكبر نعمة أنعم اللّه بها على العباد . فما ذا قولكم به ؟ وهل تشكرون هذه النعمة وتعترفون بها ، أم تكفرون وتعاندون ؟ فيكون جوابهم أقبح جواب وأسمجه ، فيقولون عنه : إنه
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أي : كذب اختلقه محمد على اللّه ، وما هو إلا قصص الأولين التي يتناقلها الناس ، جيلا بعد جيل ، منها الصدق ومنها الكذب ، فقالوا هذه المقالة ، ودعوا أتباعهم إليها ، وحملوا وزرهم ، ووزر من انقاد لهم إلى يوم القيامة . وقوله :
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 508 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي