تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ
يقومون بعبادته ، ولا يشركون به شيئا .
وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً
فإن ضرركم ، إنما يعود إليكم ، فاللّه لا تضره معصية العاصين ، ولا تنفعه طاعة الطائعين
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها *
،
إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
. [ 58 ]
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
أي : عذابنا بإرسال الريح العقيم ، التي
ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
( 42 ) .
نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
أي : عظيم شديد ، أحله اللّه بعاد ، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم . [ 59 ]
وَتِلْكَ عادٌ
الذين أوقع اللّه بهم ما أوقع ، بظلم منهم لأنهم
جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ
ولهذا قالوا :
ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
، فتبين بهذا ، أنهم متيقنون لدعوته ، وإنما عاندوا وجحدوا
وَعَصَوْا رُسُلَهُ
، لأن من عصى رسولا ، فقد عصى جميع المرسلين ، لأن دعوتهم واحدة .
وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ
أي : متسلط على عباد اللّه بالجبروت ،
عَنِيدٍ
أي : معاند لآيات اللّه ، فعصوا كل ناصح ومشفق عليهم ، واتبعوا كل غاش لهم ، يريد إهلاكهم لا جرم أهلكهم اللّه . [ 60 ]
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً
فما من وقت وجيل ، إلا ولأنبائهم القبيحة ، وأخبارهم الشنيعة ، ذكر يذكرون به ، وذم يلحقهم
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ
لهم أيضا لعنة .
أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ
أي : جحدوا من خلقهم ورزقهم ورباهم .
أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ
أي : أبعدهم اللّه عن كل خير وقربهم من كل شر . [ 61 ] أي
وَ
أرسلنا
إِلى ثَمُودَ
وهم : عاد الثانية ، المعروفون ، الذين يسكنون الحجر ، ووادي القرى ،
أَخاهُمْ
في النسب
صالِحاً
عبد اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده ،
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
أي : وحدوه ، وأخلصوا له الدين
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
لا من أهل السماء ، ولا من أهل الأرض .
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
أي : خلقكم منها
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
أي : استخلفكم فيها ، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة ، ومكنكم في الأرض ، تبنون ، وتغرسون ، وتزرعون ، وتحرثون ما شئتم ، وتنتفعون بمنافعها ، وتستغلون مصالحها ، فكما أنه لا شريك له في جميع ذلك ، فلا تشركوا به في عبادته .
فَاسْتَغْفِرُوهُ
مما صدر منكم من الكفر ، والشرك ، والمعاصي ، وأقلعوا عنها ،
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
أي : ارجعوا إليه بالتوبة النصوح ، والإنابة ،
إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ
أي : قريب ممن دعاه دعاء مسألة ، أو دعاء عبادة . يجيبه بإعطائه سؤاله ، وقبول عبادته ، وإثابته عليها ، أجل الثواب . واعلم أن قربه تعالى نوعان : عام ، وخاص . فالقرب العام ، قربه بعلمه ، من جميع الخلق ، وهو المذكور في قوله تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
، والقرب الخاص ، قربه من عابديه ، وسائليه ، ومحبيه ، وهو المذكور في قوله تعالى :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
. وفي هذه الآية ، وفي قوله تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
، وهذا النوع ، قرب يقتضي إلطافه تعالى ، وإجابته لدعواتهم ، وتحقيقه لمراداتهم ، ولهذا يقرن باسمه « القريب » اسمه « المجيب » . فلما أمرهم نبيهم صالح عليه السّلام ، ورغبهم في الإخلاص للّه وحده ، ردوا عليه دعوته ، وقابلوه أشنع المقابلة .