تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
إن آمنوا ، زادهم قوة إلى قوتهم .
وَلا تَتَوَلَّوْا
عنه ، أي : عن ربكم
مُجْرِمِينَ
أي : مستكبرين عن عبادته ، متجرءين على محارمه . [ 53 ]
قالُوا
رادين لقوله :
يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها ، فهذه غير لازمة للحق ، بل اللازم أن يأتي النبي بآية ، تدل على صحة ما جاء به ، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة تشهد لما قاله بالصحة ، فقد كذبوا في ذلك ، فإنه ما جاء نبي لقومه ، إلا وبعث اللّه على يديه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر . ولو لم تكن له آية ، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين للّه ، وحده لا شريك له ، والأمر بكل عمل صالح ، وخلق جميل ، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك باللّه ، والفواحش ، والظلم ، وأنواع المنكرات ، مع ما هو مشتمل عليه هود ، عليه السلام ، من الصفات ، التي لا تكون إلا لخيار الخلق وأصدقهم ، لكفى بها آيات وأدلة على صدقه . بل أهل العقول ، وأولو الألباب ، يرون أن هذه الآية ، أكبر من مجرد الخوارق ، التي يراها بعض الناس ، هي المعجزات فقط . ومن آياته ، وبيناته الدالة على صدقه ، أنه شخص واحد ، ليس له أنصار ولا أعوان ، وهو يصرخ في قومه ، ويناديهم ، ويعجزهم ، ويقول لهم :
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
.
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ
( 55 ) ، وهم الأعداء ، الذين لهم السطوة والغلبة ، ويريدون إطفاء ما معه من النور ، بأي طريق كان وهو غير مكترث ، ولا مبال بهم ، وهم عاجزون لا يقدرون أن ينالوه بشيء من السوء ، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . وقولهم :
وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ
أي : لا نترك عبادة آلهتنا لمجرد قولك ، الذي ما أقمت عليه بينة بزعمهم ،
وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
وهذا تأييس منهم لنبيهم هود عليه السّلام في إيمانهم ، وأنهم لا يزالون في كفرهم يعمهون . [ 54 - 55 ]
إِنْ نَقُولُ
فيك
إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ
أي : أصابتك بخبال وجنون ، فصرت تهذي بما لا يعقل . فسبحان من طبع على قلوب الظالمين ، كيف جعلوا أصدق الخلق الذي جاء بأحق الحق ، بهذه المرتبة التي يستحي العاقل من حكايتها عنهم لولا أن اللّه حكاها عنهم . ولهذا بين هود عليه الصلاة والسلام أنه واثق غاية الوثوق أنه لا يصيبه منهم ، ولا من آلهتهم أذى فقال :
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً
، أي : اطلبوا إليّ الضرر كلكم ، بكل طريق تتمكنون بها مني
بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 54 ) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً
أي : لا تمهلون . [ 56 ]
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ
أي : اعتمدت في أمري كله على اللّه
رَبِّي وَرَبِّكُمْ
أي : هو خالق الجميع ، ومدبرنا وإياكم ، وهو الذي ربانا .
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
فلا تتحرك ولا تسكن إلا بإذنه ، فلو اجتمعتم جميعا على الإيقاع بي ، واللّه لم يسلطكم عليّ ، لم تقدروا على ذلك ، فإن سلطكم ، فلحكمة أرادها .
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي : على عدل ، وقسط ، وحكمة ، وحمد في قضائه وقدره ، وشرعه وأمره ، وفي جزائه وثوابه ، وعقابه ، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم ، التي يحمد ، ويثنى عليه بها . [ 57 ]
فَإِنْ تَوَلَّوْا
عما دعوتكم إليه
فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
فلم يبق عليّ تبعة من شأنكم .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 439 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي